التعليقات: 0

الفضائيات الانتقائية وشيطنة العقول

الفضائيات الانتقائية وشيطنة العقول
weam.co/109701

*  إلتزام المهنية شرطا لممارسة مهنة الإعلام في التعامل مع كل شؤون الحياة ومستجداتها .. ولكن مايمارسه الإعلام مما يدور رحاه من صراعات سياسية خفية .. وضربات من تحت الحزام منذ نجاح الربيع العربي .. يجعل العقل يقف حائرا حيالها !! فبالأمس ومن فوق الطاولة كان الإعلام يناصرالثورات .. واليوم من تحتها يضع العثرات !! وما( تسونامي ) التنظير قولا وكتابة بلا تطبيق .. والتلاعب بنقل الخبر .. وبرامج الـ( توك شو ) إلا مظاهرا لتلك المعوقات .. فهل سقط الإعلام العربي في أول امتحان غير اعتيادي له في خضم الربيع العربي !!؟

*  نحن هنا لانحمل الإعلام وحده مايجري على الساحة العربية من انتكاسات ولكنه أحد المنظومات الأكثر تأثيرا في الرأي العام .. وبالطبع هو أيضا ليس شرا كله .. ولا أحد يشكك بدوره تضامنا مع منافذ التواصل الاجتماعي في إنجاح الثورات العربية .. ولكن السؤال : هل وقوفه ذاك دافعه الانتصار للمظلوم وبحيادية .. ثم بعد ذلك النجاح اختلطت لديه الرؤية .. فحدود قدرته هي المساندة بحماس دون رؤية ثاقبة للمستقبل .. أي أنه لم يستعد لما بعد النجاح .. وبالتالي أصبح يتخبط شأنه شأن الجماهير على كل المستويات من رأس الهرم الاجتماعي إلى قاعه !!؟ أم أن لمصالحه سقفا عاليا مادفعه للاستماتة في اقتطاع الجزء الأكبر من الكعكة !!؟ أم أنه أذرع إعلامية لقوى خفية ليس من أهدافها أبدا الحفاظ على مقدرات الأمة ومكتسباتها .. وأن دوره أكبر مما كنا نتخيله بتصوراتنا الساذجة !!؟

*  هنا سنخص الفضائيات لأنها أكثرعناصرالإعلام تأثيرا ومنها تلك الفضائيات ذات التأثير الواسع والتي تدعي التزام منهجية حرية التعبير والعدالة .. ولكن نبرة خطابها الإثارة .. تزييف الحقيقة .. ممارسة دورا تحريضيا انتقائيا بدأت تظهر ملامحه ابتداء في التناقض فيما بينها حال نقل الحدث وتتبعه !! ثم العزف على وتر الخلاف المرفوض والتعامى عن الاختلاف المقبول شرعا وعرفا !! ناهيك عن شيطنة العقول لتشكيل مزاجا شبه عاما مختلط الرؤية .. ذو نغمة غريبة في مايتخذ من مواقف نحو أي حدث !!

*  منها فضائيات لم تلتزم المصداقية منذ نشأتها وتلك لايعول عليها .. ولكن المستغرب فضائيات كانت تلتزمها في بداياتها فتحولت إلى النقيض !! هذا التحول يرسم علامات استفهام ؟؟  فلماذا ولمصلحة من يمارس هذا الدورالقذر !!؟ وهنا صيدا من مخرجات ذلك الضخ اليومي الغث والذي يتسرب من مطابخ تلك الفضائيات التحريضية المغرضة لزرع الفرقة والشتات !! :

*  لقد خطفت شباب الربيع العربي وبدلا من التوعية والتعريف بأن الثائرالحقيقي هو من يثورعلى البغي والطغيان .. فإذا أسقطه يهدأ ويلتفت إلى الغاية ( إعادة البناء والعمران ) .. أغرقتهم بـ( كرنفالات ) مستمرة والنظر فقط لموضع القدم والوقوف كثيراعند تفاصيل التفاصيل بعيدا عن الرؤية الشاملة للأوضاع !! واندمج الثوار في الوسيلة لوهجها الإعلامي .. ونسوا الغاية .. فحالهم كحال من ركب قطار غايته مكان ما .. ونظرا لجماله ورفاهيته وما في الطريق من مباهج اندمج  حتى كاد أن لايصل إلى الغاية !! بتلك الممارسات استغلت عواطف أولئك الشباب الثوار .. وقلة خبرتهم السياسية فاختطفتهم وسلكت بهم نهجا آخرا .. فروجت بأن قدراتهم خارقة .. ومارست النفخ في بالونة الـ( أنا ) حتى النرجسية .. ورسخت في أذهانهم السلطوية .. فانتقلنا من دكتاتورية أولئك الحكام وسلطتهم إلى دكتاتورية شباب الربيع العربي (سلطة الرأي العام ) فمن حاول أن ينبه من المخلصين إلى الخلل وفضح ممارسات تلك الفضائيات التحريضية المغرضة ووجوب إعادة الثورات إلى مسارها الصحيح .. يُتهم بأنه معاد !! فبدأنا نعيش ( هولوكست ) جديدة بطابع عربي !! فكأني بتلك الفضائيات تقلب الصفحة ومن خلف أقنعتها ترسخ مفهوما إحباطيا من خلاله تقول : انظروا فالحال لم يتغير رغم الربيع العربي !!

*   تلك الفضائيات مع كل حدث تتسابق باستضافة من تدعي بأنهم خبراء في شتى شؤون الحياة .. ثم يبدأون التنظير .. و ستلاحظ أن أولئك الخبراء وكثيرا ممن يتلقف سمومهم بلا فلتره .. لاينطلقون في تناولهم لقضية ظلم بيّن – مثلا – من مبدأ فطري جُبل الإنسان عليه .. المهم لديهم أولا معرفة من هو الظالم ومن هو المظلوم !!؟ لأي دين ينتمي !!؟ ولأي عنصر أو حزب أوفئة !!؟ وأي مذهب يعتنق !!؟ ومن أي طائفة !!؟ لماذا !!؟ لكي تتلون وتنسجم مواقفهم – بغض النظر مع من يكون الحق – مع ماتربو عليه من ( ايديلوجيات ) ليتمترسوا خلفها .. تفوح منها رائحة العنصرية المقيتة !! والسؤال إذا كنا ( العرب ) نمتلك تلك الخبرات حقيقة .. فلماذا نحن في ذيل قائمة دول العالم في شتى المجالات!!؟  أم أن هذا أحد أسباب تعثرنا !!؟

*  وتلك الفضائيات قد روجت لداء قد أصابنا في مقتل ، فنحن( العرب ) نعيش اليوم في ملهاة ( تسونامي ) التنظير قولا وكتابة.. حول قضايا متنوعة اختلطت فيها الرؤية للأولويات .. نطنطن حولها بتشخيصاتنا المتباينة  ولانعطي العلاج وإن أعطينا لايعدو أن يكون تنظيرا بلا ممارسة.. حالنا كمن أطلوا على مدينتهم بعد غيبوبة فوجدوها خرابا ، فأمطروها بالتوصيف دون العمل .. وكانوا صنفين أحدهما تنظيريا عاجزا والآخر تنظيريا همه المكتسبات الخاصة والدعاية .. ومع ذلك اختلفوا حول الأولويات !!هل الغذاء أولا.. أم الكساء والدواء .. أم التعليم والتثقيف !!؟ واتفقوا على الإصلاح بعيدا عن الأولويات لاختلال الرؤية !! ولغفلتهم أيضا عما يحاك لهم من دسائس خارج أسوار المدينة !!

*  وتزامنا مع ما أفرزه الصندوق الانتخابي في بعض بلداننا العربية بفضل الربيع العربي .. من فوز للإسلاميين في تونس ومصر.. فأن يتوجس منك خيفة مناهضوك في هذا الحزب أو ذاك فهذا مقبولا ومتوقعا وغير مستغرب وإن كان هذا الخوف لامبرر له سوى تلك ( الأدلجة ) المغروسة في أنفس أولئك بعد تشكلها من قبل تلك الفضائيات وغيرها !! ولكن المستغرب والذي يرسم علامات استفهام هو ذلك الموقف المناهض وبتطرف من قبل أناس كان من المتوقع بأن يكونوا أول الفرحين !! وأن يصدر كلا الموقفين الآنفا الذكر من عامة الناس فهذا أيضا مقبول .. ولكن المحزن أن يصدر ذلك ممن يرون أنفسهم بأنهم من النخب .. وإلا مامعنى هذا التسرع باتخاذ المواقف المسبقة وقبل التجربة نحو حزب أتى من خلال صناديق الاقتراع !!؟ أليس من المسلمات أن الحكم يصدر بعد الممارسة .. ولكن قد تلقفتهم تلك الفضائيات .. لأنها البيئة المثلى لنفث سمومهم !!

*  فهل بعد ظهور كل تلك الملامح يحق لنا أن نتوجس خيفة من تلك الفضائيات لارتدائها ثوب الطغاة !! فهي تقدم العصا مع الجزرة لتنفيذ أجندة بدأت تظهر على السطح ملامحها بعيدا عن مصالح الأمة !! ألا تلاحظون بأننا نعيش أزمات مصطنعة أحيانا ومتلاحقة – عامة وخاصة – فكلما  فرغنا من أزمة أشغلتنا تلك الفضائيات بأخرى !! فطوال الوقت نلهث ونُستنزف مع تعاقبها .. فلمصلحة من تُفتعل تلك الأزمات !!؟

*  إذا ًعلينا أن لاننخدع فتلك الفضائيات تريد شيطنة عقولنا .. وأيضا أن لانجعلها وغيرها شماعة نـُعلق عليها قصورنا .. فسيناريو الفوضى المتكرر والغير مسؤول من قبل الجماهير للقضاء على المكتسبات في بعض بلداننا العربية لايخدم مصالح الأمة بل يُفرح الأعداء .. وعلينا برد الفعل المتوازن حيال تلك الأزمات لكي لانـُستنزف.. ولكي لاتـُصرف أنظارنا عن قضايا أخرى – عامة وخاصة – لها أيضا أولوية في التناول .. وعلينا أن نحذر المتربصين بنا .. فحتى لو فتحت لنا أبواب الشر نرقى ولانلجها .. وعلينا بأن ندرك أن تلك الفضائيات الانتقائية التحريضية هي أيضا بأمس الحاجة إلى ربيع إعلامي عربي لكي ينفض عنها غبار تلك (الايديلوجيات) التي نشأت تحت مظلتها !!

عبدالعزيز النعام

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة