خبر عاجل

السؤال الثالث في مسابقة صحيفة الوئام بمناسبة اليوم الوطني الـ88 للمملكة العربية السعودية بالشراكة مع طيران ناس

تعليقان 2

الإغتراب

الإغتراب
weam.co/139958

*  غالبيتنا (مؤدلجون) وبنسب متفاوتة.. فالإنسان يتأثر بـ(أدلجة) ما .. في بيئته .. وبالتالي ينصهر ويذوب تحت وطأتها فيكون بحاجة إلى الإغتراب  خارج الصندوق .. والذين ينجحون في بيئاتهم دون الإغتراب لاشك بأنهم نوادر بتجاوزهم تلك السلبيات في مجتمعاتهم .. ولاشك بأن أولئك متميزون ومن الأفذاذ ومن النوادر .. وصفوت أولئك الأنبياء والرسل ومن تأسى بهم من البشر ..أولئك تجاوزوا تلك الـ(أدلجة) في بيئاتهم .. واستطاعوا عزل أنفسهم عن (أدلجة) المجتمع وليس عن المجتمع ذاته .. بمعنى أنهم لم يتأثروا ولم ينصهروا بتلك السلبيات الأثيمة المنافية للصالح العام والذي أتت كل الشرائع لمحاربتها ليمارسوا في واقعهم دورا تصحيحيا بمحاربة تلك الاتجاهات الفكرية الفاسدة والتي تشوه الواقع وتظهر أفكارا معينة متراكمة ومترسبة ومعقلنة ومقيدة أصبحت قناعات قريبة من المسلمات توظف في مصالح ( أحزاب .. فئات .. تنظيمات .. الخ) مع طمس أخرى سوية !! لتوصيل رسالة ما .. وفرضها على الآخر!! بعيدا عن الحق والحقيقة !! وبعيدا عن المصالح العامة!!

* والنجاح غاية كل إنسان .. ومنه ذلك النجاح الذي يصب في إناء الصالح العام .. وليس ذلك النجاح المبني على خروقات على حسابه.. فربما ينال الإنسان نجاحات اجتماعية معينة في بيئته ومتعدية للآخر على حساب الصالح العام .. كالمحسوبيات لنصرة (عنصر .. أسرة .. قبيلة .. طائفة .. مؤسسة ..الخ ) وهذا واقعا لانفكاك منه ويصب في إناء التواصل الاجتماعي ولا تثريب إن لم يكن هناك اعتداء على المصالح العامة ..

* والاغتراب أحد مقومات النجاح .. وأصبح ضرورة ومطلبا لأسباب منها العيش في بيئة مثالية نسبيا مغايرة لبيئة الإنسان الأصلية .. لفترة ليست باليسيرة .. لتكون وقاية ضد (أدلجة) مجتمعه وبيئته .. وبعيدا عن تلك الضغوط الاجتماعية السلبية ( فردية .. أسرية .. قبلية ..الخ ) ورسمية ( مؤسسات حكومية ) فغالبا الذين يعيشون لفترة ليست بالقليلة في بيئات غير بيئاتهم ثم يعودون يكونون أكثر دقة واتزانا ومصداقية وصوابا في اتخاذ أي قرار يخصه أويخص الآخرين .. وفي أي موقع يتسنمه.. لأنه في الغالب لايرضخ لأي ضغوط فيتسامى عن الـ(أدلجة) لذلك تمعنوا في نخب عالمنا العربي على كل المستويات ولمن تسنموا مناصبا رسمية في الدولة ( السلطة ) كـ( علماء الشرع .. الوزراء .. مجالس النواب .. مجالس الشورى .. الخ ) أصبحوا في الغالب ليس لهم أي دور ايجابيا في اتخاذ أي قرار للصالح العام .. والسبب تلك الـ(أدلجة ) والعوائق المعنوية التي نشأوا عليها في تلك البيئات بشقيها الحياتية والعملية ..

*  هنا لا أخاطب أولئك الذين لديهم ظروفا قاهرة ألزمتهم البقاء في أماكنهم قسرا .. فأولئك معذورون .. ولكنني أخاطب أولئك الذين لديهم الفرصة المواتية والإمكانات اللازمة للتغيير .. أحرضهم للبعد عن ميكانيكية الحياة إلى ديناميكيتها .. من حالة الركود والتكلس والثبات والسكون إلى الحيوية والحركة .. أخاطب الأسرة والمجتمع والمؤسسات والدول .. إن أردتم نجاحا لشبابنا أتيحوا لهم فرصة الإغتراب عن بيئاتهم ..  ومع مافي الإغتراب من أوجاع يظل بمعيته كنوزا وآفاقا وأبوابا ونوافذ جديدة للإبداع .. بذلك نستطيع أن نشكل نخبا يكون همها في الغالب الصالح العام .. لقد لعقنا المر من المحسوبيات!! وسئمنا تلك القوالب المتكلسة ذات التشكيل والبنية الـ( إيديولوجية ) الفاسدة والتي لا نستطيع الفكاك منها إلا بتوطين ثقافة الإغتراب كأحد الحلول .. وما يهمنا في هذا الطرح أشياء كثيرة منها تلك الجزئية التي تخص اتخاذ القرار لما للإغتراب من فوائد جمة فيما يخص الصحة النفسية والمعنوية التي يكتسبها الإنسان حال اغترابه بتعافيه من الـ( أدلجة ) ليمارس دوره الريادي الفعال تحت الإطار العام للقيم والمفاهيم النبيلة والتي تصب في إناء الصالح العام ..

*  وقد قال الشافعي ” رحمه الله: ”
ما فى المقـام لذي عقـل وذي أدب .. من راحـة فــدع الأوطـان واغـترب
سـافـر تجـد عوضا عـمن تفـارقه .. وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
إني رأيت وقـوف الـمـاء يفـسـده .. إن سال طـاب وإن لم يجـر لم يـطـب
والأسد لولا فراق الغاب ماافترست .. والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة .. لملها النـاس من عجـم ومن عـرب
والتـبر كالــترب ملقى في أماكـنه .. والعـود في أرضـه نـوع من الحطـب
فـإن تـغــرب هـــذا عـــز مـطلــبه .. وإن تـغـــرب ذاك عـــز كالـذهــــب ..

*  والشواهد كثيرة في الماضي والحاضر لثمرة الاغتراب .. فأبناء مكة في زمن البعثة النبوية وماتلاها لم يلزموا البقاء في أكنافها وفوق ترابها الطاهر الذي يعشقونه حد الثمالة .. وإنما خرجوا لرؤية العالم من حولهم .. ابتداء لإعلاء كلمة التوحيد .. ومن ثم للعلم وللبحث عن فرص الحياة في بيئات أخرى .. فهاهي الدولة الأموية في الشام .. والعباسية في العراق .. والأمثلة كثيرة .. وتأمل في سيرالعلماء تجده يولد في بلد ويتعلم في بلد آخر ويستقر ويدفن في ثالث .. ومن الشواهد الحاضرة تأمل في هذه الدول المتقدمة في عالمنا.. لو فتشت عن سر تقدمها لوجدت أحد أسبابه تلك الفسيفساء من العقول المغتربة والتي استقرت في هذا البلد أو ذاك .. وساهموا بفاعلية في نهضة بلادهم الجديدة على كل المستويات .. ولو بقي أولئك في بلادهم الأصلية لما كان نتاجهم ومخرجاتهم كما هي في بلاد الغربة .. لعوامل منها توفر أدوات الإبداع في بلاد الغربة وتوفر الفرص لبيئة إنتاجية .. ولأن المغترب غالبا هو أحرص الناس على إثبات ذاته والظهورعلى السطح في تلك البيئة الجديدة لإحساسه بالدونية التي هي حافزه ووقوده نحو التميز .. بخلاف أبناء البيئة الأصليين والذين في الغالب الأعم لايتوفر لديهم ذلك الدافع المعنوي لإثبات الذات .. لذلك نجد أن المغتربون المقيمون إقامة دائمة في بلد ما .. أكثر بروزا وظهورا من أبناء الوطن الأصليين للأسباب الآنفة ..

* أخيرا الدماء الجديدة ذات الإحساس بالمسؤولية نحن بأمس الحاجة إليها  في كل قطاع لتحل مكان القديمة وإن كانت ناجحة .. فأحيانا إدمان النجاح يجعل الإنسان روتينيا وتخمد لديه جذوة الحماس وتذبل روحه المتقدة وتنضب .. وقتها يكون بحاجة ماسة إلى تغيير بيئته التي استمر بها طويلا .. انظروا لمشرعي القوانين والدساتير الذين وضعوا المدد المحددة لتسنم إي موقع .. لماذا !!؟ الإجابة لديك .. وما الثورات العربية إلا تحطيما لصنم الروتين والرتابة .

عبدالعزيز النعام

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    خالد

    مقال رائع عن الاغتراب 
    اكتملت الفكرة داخله

     

  2. ١
    الامير

    كلام رائع بحق 
    ولو طبقنا هذا المفهوم 
    لعايشنا التغير الايجابي بحياتنا
    شكرا لك