1 تعليق

الجودة ومستقبل التعليم العالي

الجودة ومستقبل التعليم العالي
weam.co/310697
خالد الثبيتي

استضافت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية خلال الفترة 22 – 24 / 2 / 1436هـ الدكتور منصور العور رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية بالإمارات، وهي إحدى الجامعات المميزة والتي تعمل وفق رؤية وفلسفة غايتها نشر ثقافة الجودة في الوطن العربي، وذلك من خلال البرامج والمسارات النوعية بها.
وبهذه المناسبة أتقدم بالشكر الجزيل إلى رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية الدكتور/ منصور العور على قبوله الدعوة وحضوره كأستاذ زائر التقينا به نحن والمسؤولون بالجامعة وأعضاء هيئة التدريس والطلاب وقد قدم عددا من المحاضرات حول الجودة في التعليم العالي، وقد انطلق المقال من المحاور التي ذكرها الدكتور منصور العور.
ملامح الجامعات العربية والخليجية
إن المتأمل في واقع الجامعات الخليجية والعربية يرى عددا من المشاهد المختلفة والتي تدل على غياب ثقافة الجودة وتطبيقها في تلك الجامعات ومنها:
1) غياب التخطيط الاستراتيجي في الجامعات:
يعتبر التخطيط الاستراتيجية منهجية علمية تطبيقية تقوم على الرؤية الاستراتيجية وتحديد الهوية وبناء الأهداف التي تسعى الجامعات لتحقيقها وربطها بالجودة والتطورات العصرية الحالية، ومن ثم ينعكس ذلك على واقع الجامعات وممارساتها من جميع منسوبيها وطلابها، ولكن للأسف فالتخطيط الاستراتيجي في معظم الجامعات العربية والخليجية لا يتجاوز كونه خططا مكتوبة على ورق ليس لها أثر على الواقع، فالممارسات والنتائج والمخرجات تدل على ذلك.
2) فصل الجامعات عن سوق العمل:
إن الجامعات في دول العالم هي التي تقود التقدم والازدهار بها من خلال ما تقدمه من مشاريع وبرامج إبداعية وتطويرية، وما تنتجه من متخصصين يسهمون في بناء ونهضة الدول والتحول نحو اقتصاد المعرفة، بينما مخرجات الجامعات في الوطن العربي لا تجد لها مكان في سوق العمل، لأن البرامج صممت بعيدا عن متطلبات واحتياجات سوق العمل ومنفصلة عنه، وبعض تلك البرامج لها أكثر من عقد من الزمن لم تتغير ولم تتطور على الرغم من التطورات الهائلة التي يشهدها العصر الحالي.

3) غياب المعرفة:
كان في الماضي مجرد الحصول على المعرفة سواء من الأستاذ أو من أوعية المكتبات هو قيمة في حد ذاته، لكن الأمر الآن اختلف كليا، فالمعرفة أضحت متوفرة حاليا وبشكل كبير جدا وفي متناول الجميع أستاذا كان أو طالبا، فمجرد الحصول على المعرفة لم يعد ذا قيمة تذكر بحد ذاته، ولكن المقصود بغياب المعرفة هنا هو ما يتعلق بالمعرفة المنتجة والتي تسهم في بناء اقتصاد المعرفة ومواكبة التطور الهائل في العلم ومجالاته المختلفة، وتوظيف ذلك وفق استراتيجيات تعليمية لإنتاج معرفة جديدة، وكل ذلك يغيب عن الجامعات العربية والخليجية.
4) تراجع القدرة على التعامل مع العولمة:
من التحديات التي حملت في طياتها جوانب إيجابية وسلبية العولمة، فهي سلاح ذو حدين يمكن الاستفادة منها ومما تقدمه من معطيات وانفتاح وتحول لأجل التطور والتقدم وتسخيرها من أجل خدمة العلم والبحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي، ويتطلب ذلك قدرة عالية ومهارة إدراكية عالية، لأجل توظيفها وتسخيرها لخدمة التعليم، وفي ظل غياب تلك المهارات تراجعت القدرة على التعامل مع العولمة، وتحولت العولمة إلى عبء كبير يؤثر على فعالية وكفاءة الأداء بالجامعات.
5) انحسار استخدام تكنولوجيا الاتصالات:
إن تطور تكنولوجيا الاتصالات وتقنياتها المختلفة أسهم بشكل كبير في التحول النوعي والكمي لعمليات التعليم والتعلم على مستوى العالم كافة، ويتطلب ذلك الاستفادة من تطور التكنولوجيا وتوظيفها لخدمة التعليم في الجامعات العربية والخليجية، والملاحظ على الجامعات العربية أن قدرتها على الاستفادة من تكنولوجيا الاتصال محدودة ولم تتجاوز بعض الاجتهادات الفردية في بعض الحالات، وهذا لا يتوافق ولا يتناسب مع ما يجب أن تكون عليه الجامعات في الوطن العربي من تسخير للتكنولوجيا في سبيل تحقيق الجودة في برامجها ومخرجاتها.

أهداف الجودة في التعليم العالي:
تتنوع وتتعدد أهداف الجودة في التعليم العالي، ويمكن إجمال تلك الأهداف في النقاط الرئيسية التالية:
– الارتقاء بمستوى الأداء العام.
– تحصيل علمي متميز.
– تخريج طلاب على مستوى مميز.
– تحقيق مكانة مميزة للجامعة على الخارطة الوطنية والخارطة العالمية.
والعناصر والمحاور التي تسعى الجودة إلى تحقيقها هي على النحور التالي:
المحور الأول: الطلاب:
متطلبات تضمن تحقيق الجودة فيما يخص محور الطلاب هي:
– ملاءمة الطالب للدراسة، حيث يتوافق ويتناسب التخصص مع ميول واتجاهات الطلبة، ويتطلب ذلك عدد من الإجراءات أهمها عمل اختبارات تشخيصية ومبكرة للكشف عن ميول واتجاهات الطلاب والطالبات نحو التخصصات التي تتوافق مع قدراتهم واهتماماتهم وميولهم، وعلى ضوئها يتم توجيههم التوجيه الصحيح نحو التخصص المناسب لكل طالب، وذلك من أجل تحقيق الكفاءة والفعالية في العمليات التعليمية وتقليل الفاقد والهدر التعليمي.
– التناسب العددي (الكمي) والذي يحدد العدد الأفضل والأنسب والأمثل للطلاب مقابل كل عضو هيئة تدريس، ففي بعض الجامعات والبرامج يكون يقابل كل عضو هيئة تدريس 10 أو 15 طالبا، ولا يزيد على ذلك إلا وفق بعض التخصصات والبرامج، لأجل ضمان تحقيق الجودة وتأكيدها.
– الاستفادة من الدارسين والباحثين في البرامج التعليمية المختلفة، في مجلات مختلفة كإشراكهم في عمليات التدريس والبحث العلمي وتكليفهم ببعض الأعمال الإدارية والتي تسهم في صقل شخصيتهم العلمية والأكاديمية، وتكسبهم عدد من المهارات والمعارف الضرورية.

المحور الثاني: أعضاء هيئة التدريس:
متطلبات تضمن تحقيق الجودة فيما يخص أعضاء هيئة التدريس هي:
– أن يكون لدى الأقسام العلمية والبرامج كفاية من أعضاء هيئة التدريس في تدريس المواد العلمية، بمعنى أن يكون هناك المتخصصون للمقررات والبرامج الدراسية حتى تضمن تحقيق الجودة.
– أن يكون لدى الأقسام والبرامج كفاية من أعضاء هيئة التدريس بتغطية المواد الدراسية.
– زيادة ووفرة وقوة الإنتاج العلمي لأعضاء هيئة التدريس من البحوث العلمية والتي تسهم في تطوير المجتمع وخطط التنمية وتسهم في حل المشكلات والقضايا المختلفة، وألا يكون هدف البحوث الترقية فقط.
– مشاركة أعضاء هيئة التدريس في خدمة المجتمع، ويقصد بها هنا المشاركة الفعلية التطوعية والتي تخدم المجتمع والتنمية كل حسب تخصصه ومجاله وفي مختلف مجالات المشاركة المجتمعية.
– تنوع أعضاء هيئة التدريس في الأقسام العلمية والجامعات، بحيث يكون هناك قيمة مضافة تتحقق من خلال التنوع العلمي والنوعي في أعضاء هيئة التدريس.
المحور الثالث: البرامج الدراسية:
متطلبات تضمن تحقيق الجودة فيما يخص محور البرامج الدراسية هي:
– اتفاقها مع رؤية الجامعة.
– أن يكون للبرامج ميزة تنافسية.
– أن تتلاءم البرامج وتتوافق مع سوق العمل.
– أن تواكب البرامج الدراسية مستجدات العصر.
– الاستفادة من البرامج المتقدمة والمتطورة في الجامعات العالمية.
– دعم البرامج الدراسية للقدرات الذهنية.
– نوعية وطبيعة البرامج وحداثة خططها.
– تنوع مصادر التعلم للطالب في المقررات والبرامج الدراسية.

المحور الرابع: البيئة الدراسية:
متطلبات تضمن تحقيق الجودة فيما يخص محور البيئة الدراسية هي:
– كفاية المباني والقاعات الدراسية لاحتياجات البرامج والتعليم.
– سعة واتساع المباني والقاعات ومناسبتها لبيئة التعليم والتعلم.
– توفر الأجهزة والأدوات والوسائل اللازمة لتحقيق الجودة في عمليات التعليم والتعلم.
– جودة الإضاءة والتكيف والتهوية وسهول الدخول والخروج إلى الكليات والقاعات.

المحور الخامس: المكتبة الجامعية:
متطلبات تضمن تحقيق الجودة فيما يخص محور المكتبة الجامعية هي:
– وجود مكتبة شاملة تحتوي على أحدث المصادر والمراجع والكتب والدوريات العلمية الحديثة.
– توفر مصادر أوعية للمعلومات العالمية بالمكتبات.
– ربط المكتبات إلكترونيا بالمكتبات العالمية والدولية والمكتبات الجامعية في دول العالم المختلفة.
– إتاحة المكتبة أمام الباحثين والدارسين وأعضاء هيئة التدريس بشكل مستمر وسهل للاستفادة من مصادرها وكتبها ودورياتها وأوعية المعلومات بها.
– إتاحة المكتبة إلكترونيا، بحيث يستطيع الباحث والطالب وعضو هيئة التدريس من أي مكان أن يستفيد من خدماتها وبكل سهولة ويسر.
– حث أعضاء هيئة التدريس لزيارة المكتبة والاطلاع على محتوياتها والاستفادة من مصادرها ومراجعها، ومدى زيارة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لها خلال فترات زمنية مختلفة ومستمرة.
المحور السادس: المرافق المساعدة:
متطلبات تضمن تحقيق الجودة فيما يخص محور المرافق المساعدة هي:
– مدى توفر المرافق المساعدة للبيئة الجامعية والتعليمية ومدى مناسبتها واكتمالها للطلاب وأعضاء هيئة التدريس وكافة منسوبي الجامعة.
– وجود ساحات كبيرة يلتقي بها طلبة العلم ويتبادلون الأفكار ويتحاورون علميا وثقافيا.
– توفير كل ما يحتاجه عضو هيئة التدريس والطالب من (محلات قهوة – خدمات طالب – إنترنت – صالات طعام – صالات ترفيه…..الخ)
المحور السابع: تقييم الطلاب:
لأجل أن يحقق التقييم أهدافه ومتطلباته لا بد من توفر عدة أمور أهمها:
– أن يكون هناك رقابة على التقييم، وإلا فإن كل عضو هيئة تدريس سيقيم وفق رؤيته ونظرته وطرقه وأساليبه، وقد يكون فيها إما مبالغة أو انتقاصا بعيدا عن الموضوعية والشفافية.
– أن يكون التقييم موزعا على متطلبات متعددة ومتنوعة وليس مقتصرا على نوع واحد ألا وهو الاختبارات، فالتنوع في التقييم يجعل عمليات التعليم والتعلم ذات فعالية وكفاءة عالية ويكون هناك تنوع في مصادر التعليم وطرقه.
– إيجاد قنوات سهلة وميسرة يمكن للطالب الذي يريد أن يتظلم أو يقدم طعنا في التقييم حتى ينظر في أمره، وهذا يعني العدل والصدق وإعطاء كل ذي حق حقه.
المحور الثامن: خدمة الطلاب:
الجامعات بكل كوادرها من قياديين وإداريين وأعضاء هيئة تدريس وموظفين هم لأجل الطالب، ولولا الطالب لما كان لهم في الجامعة وجود، فالجامعة هدفها خدمة الطالب وتقديم التسهيلات والخدمات التي يحتاجها والتي تسهم بدورها في تحقيق الجودة في عمليات التعليم والتعلم وتصبح الجامعة أكثر جذبا والتعليم أكثر رغبة.
المحور التاسع: شكاوى الطلاب:
لا بد أن يكون هناك خطة وبرنامج قائم ومخصص لقبول شكاوى الطلاب، ويستخدم فيه كل الوسائل والأدوات التقليدية والإلكترونية، والهدف هو صوت الطالب، وأن يكون هناك شفافية بين الطلاب والإدارة العليا والوسطى وأعضاء هيئة التدريس، فالطلبة لهم احتياجات ومتطلبات، وتواجههم صعوبات ومشكلات، فيحتاجون إلى من يقف معهم ويحل مشكلاتهم، والسبيل إلى ذلك أن يفعل نظام خاص بشكاوى الطلاب ويكون سهلا وميسرا ومتعدد الأدوات والوسائل.

المحور العاشر: الخطة الاستراتيجية:
من المفترض أن تكون الخطة الاستراتيجية أول محور، ولكن لأن التخطيط الاستراتيجي هو المنهجية العلمية التطبيقية التي يمكن من خلالها تطبيق الجودة في جميع تلك المحاور، ولكي يتحقق ذلك لا بد من:
– قناعة القيادة والإدارة العليا في الجامعة بالتخطيط الاستراتيجي وأهميته، فإن لم يكن هناك اقتناع فلن ينجح التخطيط الاستراتيجي، وعلى كل العاملين في التخطيط الاستراتيجي في الإدارات الأخرى المختلفة ألا يرهقوا أنفسهم فيما لا طائل ولا نتيجة منه.
– الدعم المادي والمعنوي من القيادة والإدارة العليا في الجامعة لمشروع التخطيط الاستراتيجي والمتابعة والتشجيع المستمر.
– تكوين فريق عمل لمشروع التخطيط الاستراتيجي ويكون من أعضاء ومنسوبي الجامعة، ويتم تدريبهم وتطويرهم حتى يصبحوا متخصصين في منهجية التخطيط الاستراتيجي.
– وجود فريق استشاري (فقط) يقدم الاستشارات فقط لفريق التخطيط الاستراتيجي وخصوصا عندما تواجهه صعوبات وعراقيل ومشكلات أثناء التطبيق.
– إشراك جميع منسوبي الجامعة في مشروع التخطيط الاستراتيجي، لأن كل شخص ينتمي إلى الجامعة هو جزء من الخطة الاستراتيجية للجامعة.
– موضوعات وعناصر التخطيط الاستراتيجي كثيرة وليس هذه مجال التفصيل بها، والحديث يدور حول علاقة التخطيط الاستراتيجي بتحقيق الجودة بالجامعة.
ختاما: تلاحظ أيها القارئ الكريم أن المقال لم يتعرض إلى معايير اعتماد أكاديمي أو مؤشرات أو…..، مع العلم أن تلك المحاور السابقة هي أسس ومنطلقات لمعايير الاعتماد الأكاديمي، ولكن أردت من المقال إن أبسط مفهوم تحقيق الجودة في الجامعات بعيدا عن دهاليز المعايير والمؤشرات والتي أصبحت في رأيي غاية وليست وسيلة وأداة لتحقيق الجودة.
أيها القارئ الكريم إذا أردت أن تعرف هل الجامعة لديها جودة أم لا فتأمل تلك المحاور العشرة وانظر إلى واقع الجامعات، فليس الخبر كالمعاينة.
د.خالد بن عواض بن عبد الله الثبيتي
وكيل عمادة الموهبة والإبداع للتطوير والجودة بجامعة الإمام

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    بنت ابوها

    لقاء الجامعة الذكية بجامعة العصيد والمتردية والنطيحة