تعليقات 3

ميشيل كيلو والطفل والزنزانة

ميشيل كيلو والطفل والزنزانة
weam.co/379800
غازي الحارثي

طالعت البارحة ميشيل كيلو -الكاتب السياسي والمعارض السوري الشهير- عندما ظهر هادئاً، وهو يتحدث إلى زينة يازجي في برنامجٍ حواري، حاكياً موقفه مع الطفل ذي الأربع سنوات عندما دخل إلى زنزانته بطلب من أحد السجانين في تحدٍ بينه وبين السجان ليحكي لهذا الطفل -كأي طفلٍ آخر غير آبه بما يجري في العالم وما يحيقه به جلادٌ لا يفرق بين الضحية السمينة والهزيلة- حكايةً تخيليةً لعله ينام عليها أو يستأنس بها.

مضى هادئاً ميشيل كيلو وهو يتحدث عن صدمته آنذاك من عدم فهم الطفل لأسماء مخلوقات وأشياء حسية كالعصفور والشجرة يحبها كل الأطفال إلا هذا الطفل الذي ولدته أمه -سفاحاً- قبل أربع سنوات في الزنزانة من غير والده الهارب من قبضة المخابرات السورية إلى الأردن.

لو بكى ميشيل كيلو أو أظهر تأثراً كبيراً لكان أفضل لمن تابع اللقاء من أن يمضي في حكاية الموقف بهدوء وربما بلادة حسية شعرنا معها للوهلة الأولى أنه لم يهتم لما حدث، أو ربما كان راضياً على موقف الضحية والجلاد في الحادثة.

لكن مهما راوغنا أفكارنا فالحقيقة أن ميشيل كيلو واجه في السجن العسكري -كما غيره من المعارضين والأبرياء أيضاًـ ما جلعه ميت الشعور ومعتاداً على القمع أكثر من الحرية والتعذيب أكثر من الراحة، والإهانة أكثر من الكرامة ليحكي واقعاً طبيعياً عنده، ولكنه ليس طبيعياً -فطرياً وقانونياً- لدى من عاش من السوريين ونجى من سجون آل الأسد، أو لم يسمع حكايات من خرجوا بعد أن مرّوا بهذه السجون..

كارثة موت الضمير الإنساني عندما يرتبط بمصالح سياسية سطحية وعميقة، لم تظهر في هذا القرن بفظاعة أكثر منها في الملف السوري.. ليته النظام وحده لأنها طبيعته ويمكن كفّه عنها، بل النظام ومعه ايران تدعمه وروسيا تضرب معه وحزب الله يحمي ظهره وداعش والنصرة يقومان بجهد خاص ومنفصل لكنه بنفس الفظاعة أو أكثر، والأكثر مرارة من اتخذ موقفاً وسطاً، ويقول إنه الحكَم في كل الصراعات على الأراضي السورية سواءً المؤسسة الدولية السياسية والإنسانية أو هيئات حقوق الإنسان الأهلية ذات الأرقام والإحصاءات فقط لا أقل ولا أكثر.

كارثة الأخلاق والضمير هذه -إن جازت تسميتها مجازاً هكذا- ليست في الطفل صاحب القصة فقط، ولو كان النموذج الوحيد لاعتادت على سماعه الآذان وتناقلته المواقع والجرائد حتى يمضي به الوقت إلى قوائم التاريخ الإنساني البشع في حقوق الإنسان لدى نظام آل الأسد في سوريا، بل وقفت المؤسسة الدولية الشريكة بتهاونها وتردد مواقفها شاهدةً على مآسٍ أحصتها وأعدتها ونشرتها للعالم فـاعترفت بأن عدا هذا الطفل قد قُتل حتى مارس 2015 ما يقارب 7500 طفل من جملة 550 ألفاً جرّاء الصراع الدائر بالأسلحة النوعية والغازات الكيماوية والصواريخ الباليستية، دون أن يعرفوا ذنبهم الذي اقترفوه ليُقتلوا هكذا، واعترفت أيضاً أن من جملة اللاجئين والمشردين أُحصي مليون ومائتي ألف طفل لتكون بامتياز كارثة الحرية والأطفال.

ومازالت المؤسسة الدولية وبعض القوى الدولية والإقليمية تتشاطر هذا الإجرام؛ باقتراح حلول سياسية طويلة الأمد مع نظام الأسد لعل وعسى أن يُفضي ذلك إلى حل.. فيما يستمر هذا النظام في ظل مساوماته على قتل الأطفال والنساء والشيوخ أو تجويعهم وتهجيرهم بإحراق كامل أوراقه ليترك بعد رحيله سوريّةَ بلا أطفال، ولا حياة.. ولا شيءٍ أبداً.

كاتب سعودي

@ghazico13

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ٣
    زائر

    من يتابع برنامج (شاهد على العصر ) للمذيع المتألق أحمد منصور على قناة الجزيرة والذي يحاور فيه الدكتور حارث سيلاذيتش رئيس المجلس الرئاسي البوسني ويسمع مايحكيه عن حقبة الحرب البوسنية وتآمر المجتمع الدولي على البوسنة حينها يفهم مايجري اﻵن في سوريا

    • ٢
      زائر

      انت ابو شهد غازالله يرحمه

  2. ١
    زائر

    انت ابو شهد