مجتمعُ السِّنَاب شَات

تكاد غالبية المجتمع اليوم تتشابه في مظهرها، إن أردنا التسليم بذلك أولاً؛ فإننا أمام جرف تنحدر فيه طبقاتُ المجتمع باختلاف ظروفه ومحيطه، فالواقعُ يؤكد المديونياتِ والقروضَ لكنَّ الصورةَ تثبت أننا مترفون بطرق التقديم والتنافس في الأطعمة والألبسة والحفلات المختلقة لمناسباتٍ لا تحمل معيارًا وقيمةً فيما يُسمَّى بالسناب شات.

هذا التطبيق كشف عن التناقض بين الواقعِ والصورةِ، مما أدَّى إلى تفاقمِ آفةِ “المظاهر” حتى تنافرَ الجميعُ من الجميعِ كل منَّا يبحث عن التخلصِ من الارتباط بأي مناسبة. فتكلفةُ اللقاءِ كقيمةِ مصروفٍ كاملٍ للشهر، نحنُ اليوم مجتمعٌ يعاني من التلميعِ يتظاهر بالممكن واللاممكن؛ ليلتقطَ صورةَ “سنابيةَ” المصدر، ويكتبَ تعليقًا وقتيًّا في عشرِ ثوانٍ ثم يبدأ في حِسبةِ فواتيرِ هذا المشهد!

مجتمعٌ يبحث عن قماشٍ مزخرفٍ لطاولةٍ خشبيةٍ تحملُ فوقَ ظهرها جميعَ أشكالِ الحلوى وأطباق الطعام يشكل هذه اللوحة وهو يظنُّ أنها صورةٌ تثبتُ للجميع تميزَهُ وتَرَفَهُ أو إشاراتٍ تدلُّ على سعادتِهِ إلا أنها تصنعُ الواقعَ المزيَّفَ لمظهرٍ مخادِعٍ؛ فلا صورةَ بريئةٌ في كلِّ ما يُلتقَطُ اليوم ولا بساطةَ في اللقاءاتِ والاجتماعاتِ، وكلُّ شيءٍ يُقدَّمُ وكأنَّنا نستخدمُ المسطرةَ والقلمَ.

تطوَّرت آفةُ التلميعِ والمظاهرِ تدريجيًّا حتى أصبح البعضُ كاذبًا يُلفِّقُ مناسبةً ما.. خلفَ هذا التطبيقِ، أو مشهدًا لاجتماعٍ عائليٍّ يعرض فيه ما يستطيعُ من الأطعمة؛ليأخذَ الصورةَ المزيَّفةَ المؤقَّتةَ، ولا تفسيرَ لما يحدثُ اليوم إلا بقصورٍ في الذاتِ، وفقدانٍ للثقةِ والقناعة، أما هم فمتمسكون بقشورٍ تتطايرُ عن أقنعةٍ يغطيها “البرستيجُ” حسب عُرْفِهم، ولقد جَرَّدت لنا البرامجُ عُقُولَهم، وكشفَتْ عن بطونِهم، وجعلتِ الكلَّ متشابهًا في الكمِّ والكيفِ. نستطيعُ أو لا نستطيعُ علينا أن نلتقطَ صورةً لكلِّ طبقٍ نتناولُهُ أو لا نتناولُهُ، ونحنُ بذلك كصاحبِ أبي حنيفةَ، ويكادُ أن ينطقَ الواقعُ لنا “آنَ لأبي حنيفةَ أن يَمُدَّ قدمَيْه”، لم يعدْ يتوقفُ الأمرُ في المناسباتِ على ذلك فقط.! علينا في كلِّ مناسبةٍ أن نجمعَ قُصَاصاتِ ورقٍ مزخرفةً نكتبُ عليها عباراتِ الترحيبِ، ونُذيلُ تاريخَ المناسبةِ! علينا أن نُوَحِّدَ الألوانَ لطاولةِ الطعامِ بما يتناسبُ مع تلك القُصَاصاتِ، وأن نُحضِّرَ مشروبًا يتناسقُ مع هذه الألوانِ، أن نضعَ الأطباقَ بطريقةٍ معيَّنةٍ، وأن نكتبَ عليها أسماء الضيوفِ، كلُّ ذلكَ وأكثرُكي لا نقعَ تحتَ نظريةِ “فقيرٍ” أو عاجزٍ، وحتى يهربَ الفقيرُ في دواخِلِنا لابدَّ أن نسايرَهم، وإن كان بالاقتراض كحالهم! وكأنَّ الفقرَ صفةٌ مَعِيبةٌ..

ليس كلُّ أبيضَ طحينًا أَيُّها المزيَّفُون فما عابَ الفقرُ صحابةَ رسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم- بل كانت خِفافُهم مشقَّقةً وثيابُهم مرقَّعةً، عاشُوا على التَّمرِ والماءِ وفي سقيفةٍ من سعفِ النخيل وبيتِ طينٍ لكنَّهم ملكُوا ما عَجَزْتُم عنه من تواضعٍ وبساطةٍ وقناعةٍ، وما لقِيْنا في سَعْيكُم ما نَشكُرُكم عليه، فَارْحَمُونا يَرْحَمْكُمُ اللهُ.

خلود عجب

تويتر: Khalud25

رابط الخبر بصحيفة الوئام: مجتمعُ السِّنَاب شَات

التعليقات (١١) اضف تعليق

  1. ١١
    زائر

    تحية إعجاب وفخر ماسطره قلمك الذي يحكي واقعنا ..🌹🌹

  2. ١٠
    فوق النجوم

    كلام في الصميم .. بدأ الكذب والزيف يأخذ منحى الصورة بعدما اكتفى منذ سنين بالكلام ..
    هذه الهشاشة الفكرية إن لم نتصدى لها .. سيدفع ثمنها أبنائنا ونعاني منها قريباً

    جميلة ياخوخ كعادتك 💕

  3. ٩
    ام ديم

    مقالة فالصميم ياخلود تسلم أناملك🌹

  4. ٨
    العتيبي

    مقاله رائعة ي خلود ونريد منك المزيد

  5. ٧
    زائر

    بارك الله فيك مقال ممتاز والى الامام

  6. ٦
    زائر

    مشكلة السنابيات واللانجراف وراء هذه المظاهر الكاذبه دليل على ضعف ثقافي وقلة وعي

  7. ٥
    أم فهد

    مقالك جدا رائع ..جزيتي كل خير …الى الامام

  8. ٤
    زائر

    التعليق

    • ٣
      زائر.. ابوعبدالملك

      ابو عبد الملك ..
      ……………… ……………………. .
      مقال جميل تناول ذلك الرداء السنابي الذي تغطيه الجماليات والالوان الربيعيه الزاهيه وتلك الفئه من الناس التي تتهافت وتتزدحم في ذلك الرداء الإيحائي ليظهر الجميع بصفات وصور لا تنتمي للواقع الحقيقي .. شكرا لصاحبة القلم الواعد .

  9. ٢
    زائر

    ابو عبد الملك ..
    ……………… ……………………. .
    مقال جميل تناول ذلك الرداء السنابي الذي تغطيه الجماليات والالوان الربيعيه الزاهيه وتلك الفئه من الناس التي تتهافت وتتزدحم في ذلك الرداء الإيحائي ليظهر الجميع بصفات وصور لا تنتمي للواقع الحقيقي .. شكرا لصاحبة القلم الواعد .

  10. ١
    متابع

    كاتبه متألقة وبدعة ي خلود . الله يوفق