البحوث التربوية والنفسية للتنمية أم للترقية

البحوث التربوية والنفسية للتنمية أم للترقية
غرم الله بن عبدالرزاق الغامدي

تحرص حكومات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء على رسم خطط تنموية شاملة للمجالات التي تحتاجها، كما تحرص على توفير مقومات تفعيلها، ولا تقف عند هذا الحد فحسب بل تهتم بتحديثها؛ لمتابعة المستجدات المتسارعة التي أضحت ملحة لدى شعوب هذه الدول. وتلجأ إلى استخدام البحث العلمي لرصد متطلبات خطط التنمية. وهذا مؤشر على تنامي الوعي لديها بأهمية البحث العلمي في تحقيق متطلبات الحياة الحضارية. وقد تبنت المملكة العربية السعودية خططًا تنموية حددت أهدافًا عامة لها وإجراءات تتناسب وكل مرحلة زمنية مرت بها الدولة، وتتسق حاليًا مع رؤية المملكة 2030، والمراجع لها يدرك عدة تغييرات في أهدافها وإجراءاتها، وما يخصص لها من نفقات خلال هذه المسيرة التنموية. ويمثل التعليم واحدًا من مجالات خطط التنمية السعودية الرئيسة الذي حظي باهتمامها.

والبحث العلمي يضطلع بدور مهم ومحوري في تنمية المجتمع ككل، والمجتمع العلمي على وجه الخصوص، وذلك حيث تتوافر المقومات اللازمة لذلك، لاسيما من حيث إتاحة البيئة الملائمة لإجراء الدراسات النوعية بما يتوافق مع متطلبات التنمية الاجتماعية، والنهوض بالمجتمع المحلي، ورفع مستوى معيشة الأفراد، وتغيير نمط حياتهم إلى الأفضل، والعمل على حل المشكلات الحياتية التي قد تؤثر على استقرارهم وتحول دون تمتعهم بمستوى من الرفاهية النفسية والصحية والاجتماعية وغيرها.

واهتمام البحث العلمي بتنمية المجتمع المحلي يضمن استثمار الطاقات والقدرات الوطنية وصقل المتميز منها بالخبرات والتدريب اللازمين للمشاركة أيضًا في جهود التنمية على الصعيد المحلي، ويساعد كذلك في تحقيق الخطط والاستراتيجيات التنموية الشاملة ومدى اتساقها مع تطلعات أفراد المجتمع في ضوء خصائص المناطق وبما يتناسب مع الموارد المتاحة.

ولعلنا جميعًا ندرك أن البحوث التربوية والنفسية التي تنتجها كليات التربية هي الأكثر وربما الأميز على مستوى جامعاتنا المحلية في مناطق المملكة المختلفة، وقد يعود ذلك للعدد الكبير من طلاب الدراسات العليا الذين يلتحقون بأقسام تلك الكليات لتعدد تخصصاتها وتميز مناهجها، وعلى المستوى الشخصي ومن خلال إطلاعي على تجارب العديد من كليات التربية في المملكة العربية السعودية هالني ذلك العدد الهائل والضخم من البحوث النفسية والتربوية التي أنجزت من خلال كليات التربية وأقسامها المتعددة سواء للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه لطلاب الدراسات العليا أو للحصول على ترقيات علمية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات السعودية، ناهيك عن البحوث الأخرى التي تجرى كمتطلبات لإنهاء بعض المقررات الدراسية خلال مرحلة الدبلوم أو ما فوقها، والشيء المثير والمدهش أنه وعلى مدى ما يقرب من أربعين عامًا وتلك الأبحاث لا تعدوا كونها تحتل مكانًا على أرفف مكتبات جامعاتنا، يرجع إليها بعض الباحثين وطلاب الجامعة، وصودر حق المجتمع في الاستفادة من نتائج تلك الأبحاث وتوصياتها على مستوى الواقع العملي بما يقدم خدمة مجتمعية راقية ومؤسسة على أساس علمي أطرته نتائج تلك الأبحاث.

“وفي دراسة أجريت لفحص (542) رسالة ماجستير ودكتوراه تم إعدادها خلال الفترة (1411هـ- 1435هـ) وفق أداة مصممة لهذا الغرض وقدمت لكليات التربية بجامعتي الملك سعود بالرياض وأم القرى بمكة المكرمة، وكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. وهي من أنشط الكليات المهتمة بالحركة البحثية التربوية على مستوى الدراسات العليا.

اتضح أن حجم تفعيل الرسائل الجامعية لأهداف خطط التنمية السعودية خلال الفترة (1411هـ – 1435هـ كان ضعيفًا، حيث جاء الهدف الخاص بالتعاليم والقيم الإسلامية في صدارة قائمة أهداف خطط التنمية بنسبة (13%)، ثم يتوالى التفعيل في الانخفاض. وقد يبرر ذلك إلى جهل طلبة الدراسات العليا بأهداف خطط التنمية، وأن اختيارهم المشكلات البحثية يعود إلى خبرة شخصية أو اختيار مشكلات لها رصيد في الكتابات السابقة. وقد أكدت كتابات سابقة هذه النتيجة إذ أشارت إلى أن حركة البحث التربوي لا تلبي حاجات ومتطلبات التنمية في المجتمع. لذا لا نستغرب تدني اهتمام وزارة التعليم وغيرها من الجهات التربوية بتفعيل توصيات البحوث التربوية والنفسية في تطبيقاتها وفعالياتها التربوية. وإذا كانت هذه الحال على المجال التربوي والتعليمي، فهذا مؤشر ظاهري يمكّن من القول: إن البحوث العلمية في المجالات الأخرى تحتاج إلى فحص؛ للحكم على درجة تفعيلها لتوجهات خطط التنمية في المجتمع السعودي؛ لتوظيف نتائجها وبالتالي تطوير الواقع لممارسات أجهزة المجتمع”.

ونظرًا لكون متطلبات خطط التنمية مصدر مهم من مصادر بناء الخرائط البحثية التي تتبناها جهات أكاديمية وبحثية، حيث تعتمد على هذا المصدر في رصد أبرز التوجهات التنموية للدولة، ومن ثم صياغتها على هيئة أهداف وتحديد آليات لتحقيقها. وهي تختلف من مرحلة تنموية إلى مرحلة تنموية أخرى وفق الظروف التي تمر بها الدولة. لذا لعل من المفيد أن تتجه عمادات الدراسات العليا وهي الجهة المعنية بطلبة الدراسات العليا وعمادات البحث العلمي وهي الجهة المعنية بأعضاء هيئات التدريس بالتواصل مع مؤسسات الدولة الميدانية وذلك في إطار الشراكة مع المجتمع برصد أبرز التوجهات التنموية لها، ومن ثم رسم خطط بحثية وتعميمها على كليات الجامعات؛ للعمل بموجبها وترجمتها إلى إنتاج بحثي يتشارك في إنجازه طلبة الدراسات العليا وأعضاء هيئات التدريس.

وقد تقدمت شخصيًا – غير مرة – لوزارة التعليم ولبعض الجهات المعنية بالأمر- بمقترحات عدة تدور فكرتها حول تبني إنشاء مركز علمي وطني يعنى بتلك الأبحاث وفرزها حسب المجال الذي طبقت فيه ومن ثم التنسيق بين ما تحويه من معرفة وتنظير مع ما يمكن أن يطبق منها كواقع عملي، لكن للأسف إلى الآن لم أشاهد في بلدنا الحبيب، وربما بعض البلدان العربية، مثل تلك المراكز العلمية التي تنفض الغبار عن بحوثنا العلمية، وتحقق خدمة مجتمعية مؤطرة علميًا وفي نفس الوقت تستفيد من ذلك الجهد المبذول وتحد قدر الإمكان من الهدر البشري والمادي.

د. غرم الله بن عبدالرزاق الغامدي
الأستاذ المشارك في التربية وعلم النفس
كلية التربية بشقراء – قسم علم النفس

رابط الخبر بصحيفة الوئام: البحوث التربوية والنفسية للتنمية أم للترقية

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة