1 تعليق

حتمية التعايش السلمي وسط نظام عالمي متعدد الأقطاب

حتمية التعايش السلمي وسط نظام عالمي متعدد الأقطاب
weam.co/487586
عبدالسلام العيدي

لعل التحولات في القوة والنفوذ، سواء على الصعيد الاقتصادي والعسكري والسياسي، والتي بدأت في التشكل،  سواء في الشرق الآسيوي أو في أمريكا اللاتينية، إنما تعلن عن بداية إرهاصات أولية لتحول القوة أو  على الأقل مشاركتها بين أمريكا والقوى الغربية ولاعبين جدد،  كما لتداعيات الأزمة المالية العالمية وتأثيرها على الاقتصاد الدولي أثر بشكل كبير على  القوة الأمريكية وصحيح أنه لم يؤد إلى انهيار كامل للرأسمالية إلا أنه أثقلها وكبلها، وأدى إلى ارتفاع الدين العام، ومع انخفاض مستوى التعليم عند الأمريكيين،  وبالأخص التعليم الجامعي، وتفاقم مشاكل الهجرة والتمييز العرقي العنصري، زامن ذلك ظهور نماذج اقتصادية قامت بتحقيق نجاح قوي في الصين والهند واليابان والبرازيل، وينبئ ذلك عن قرب نهاية القطب الواحد، وليس بالضرورة أن نعود إلى صراع القطبين كما كان عليه العالم في أثناء الحرب الباردة؛ بل سندخل إلى واقع عالمي جديد كما أطلق عليه الرئيس الأمريكي أوباما قبل انتهاء فترة ولايته بأنه سيكون متعدد الأقطاب وما حدث في السنوات القليلة الماضية من تحولات شهدها الشرق الأوسط ومشكلة أوكرانيا المتمثلة في القرم أكبر دليل على بداية نهاية القطب الواحد والشروع في إعادة توزيع النفوذ وعدم سيطرة أمريكا والقوى الغربية، أو على الأقل عدم مقدرتها فرض إرادتها وكان ذلك متجليا في الأزمة  السورية والأوكرانية، وأيضا الدور السعودي بمصر في أثناء ثورة 30 يونيو الذي ساهم في تحجيم كل القوى، وعلى رأسها الإرادة الأمريكية،  وأيضا التحدي الصارخ من قبل كوريا الشمالية ضد أمريكا، وهذا لا يحدث لولا دعم الصين للزعيم الكوري، في مشهد واضح لعدم تحكم أمريكا في العالم كالسابق، وقبلها مشكلة إسرائيل في حرب يوليو/تموز عام 2006 الحليف  الاستراتيجي للغرب، حيث بدأت معاناة القوى الغربية، بالإضافة إلى التغيير الذي حصل في سياساتها بالعراق البلد الذي كان من قبل يقبع تحت الاحتلال الأمريكي ودخول إيران،  مدعومة من روسيا والصين،  كلاعب مهم في خارطة منطقة الشرق الأوسط، كما أن تنامي العنف الديني في العالم هذه الأيام من أكبر تحديات النظام الدولي، وبالأخص انتشار هذا الوباء في دول الشرق الأوسط والدول النامية، وقد يساهم بشكل سريع لتدخل الدول الكبرى أقطاب  العالم في إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وبالأخص دول الشرق الأوسط، وذلك لوجود إسرائيل حليف القوى الغربية، وتلبس العنف بالدين أو بالمذهب كتنظيم داعش، إنما يوضح خطورة وضراوة وقساوة هذا العنف، وقد يؤديلحرب دينية مذهبية قد تبتلع الشرق الأوسط  وسيخرج من رحمها تغيير واسع وشامل للخارطة، بالإضافة إلى اتساع رقعة العنف ضد الروهينجا في ميانمار، حيث أصبحت أسرع أزمة لاجئين طارئة وكابوسا إنسانيا لحقوق الإنسان بحسبالأمين العام للأمم المتحدة غوتيريشمؤخراً، كل هذا سيزيد من وتيرة التحولات في المنطقة وفقاً لنتائج صراع الأقطاب، والمرحلة القادمة خلال العشر سنوات مرحلة انتقالية بين التحول من القطب الواحد إلى النظام العالمي الجديد المتعدد الأقطاب، وهذه المرحلة ستخلف مناخا يتسم بالفوضى، وذلك لتقاطع المصالح وتضاربها وفق عالم ونظام لم يتعود على تعدد الأقطاب، ويذكرنا ببداية القرن العشرين بعد تهاوي الإمبراطوريات العظمى وبزوغ الدول القومية الجديدة، وستتغير التحالفات وأنظمة بعض الدول وفق نتائج صراع الأقطاب واتفاقها على أماكن النفوذ، وحدث ذلك بالفعل مؤخراً أثناء ما سُمي بالربيع العربي والتغيرات التي حصلت وما زالت  تحصل وتنامي ظاهرة العنف بشكل فوضوي، حيث تحول أغلب الشرق الأوسط  والعالم العربي إلى ساحة صراع، سواء كان ذلك بالقوة الواضحة كما في سوريا والعراق وليبيا أو بالقوة الناعمة. ومع استمرار هذا الصراع سيتغير الحلفاء وتتسع رقعة الفوضى، وبدا ذلك جليا في الدور الإيراني وسيطرته على أربع دول عربية وهي سوريا ولبنان والعراق واليمن لولا عاصفة الحزم بتبعية حلفائه المسيطرين بهذه الدول، وكل ذلك تحت جناح القطب الآخر المعادي للقوى الغربية وهو المعسكر الروسي الصيني، وزيارة الملك سلمان هذه الأيام لروسيا مؤشر واضح لتغير ميزان القوى في النظام العالمي حيث يعتبر أول ملك سعودي يزور روسيا.

    بعد انتهاء المرحلة الانتقالية أثناء صراع الأقطاب المتعددة سيتشكل العالم وفق  نتائج هذا الصراع والذي ليس بالضرورة غلبة قطب على آخر ولكن ستنخفض المناطق التابعة بالنفوذ للقوى الغربية وذلك لمشاركة الأقطاب الأخرى لها، ولعل ما حصل من توتر غير مسبوق بين إدارة أوباما وقتها ونتنياهو قبل وأثناء وبعد الاتفاق النووي الذي وصف بالاتفاق التاريخي بين دول 5+1 وإيران، وعبرت مستشارة الأمن القومي رايس وقتها عن سلوك نتنياهو بأنه غير مقبول بل ومدمر للعلاقات الاستثنائية التاريخية بين الدول المتعددة وإسرائيل، وهذا اعتراف ضمني من أمريكا بوجود أقطاب أخرى تشارك القوى  الغربية النفوذ وهذه محاولة للخروج بأقل الخسائر، كل هذا سيعيد تشكيل الخارطة العالمية وتغيير كبير على المستوى الإيديولوجي والسياسي والجيوسياسي، وهو ما نشاهده هذه الأيام من تغيير في المنطقة من خلال الاستفتاء الداعي للانفصال الكردي وتحقيق حلمهم في تكوين دولة وقبلها انفصال جنوب السودان فالسعودية كدولة لها ثقلها الديني والاقتصادي والسياسي تحاول أن تدفع المنطقة نحو تفاوض يؤدي بها إلى اتفاقية سياسية كبرى في عدم رغبتها في التصعيد والسعودية بلد دائما ما يلعب دور صمام الأمان للمنطقة وسط هذا الصراع السياسي، حيث تنطلق رؤية السياسة السعودية كونها قلب العالم الإسلامي من منظور بناء علاقات مبنية على التسامح مع بقية الدول والحضارات في العالم وبالأخص في محيطها الجغرافي وبالذات مع كبرى الدول الإقليمية كتركيا وإيران، فالشعوب هي حجر الزاوية في صنع وتوجيه السياسة الخارجية، فالحاجة ملحة للتعايش والتعاون لخدمة كل البشرية،  ولابد من استثمار نقاط التلاقي بين الحضارات ، التي تصب في مصلحة المنطقة ككل، من أجل نشر السلم والأمن الاجتماعي والتعاون وبناء نموذج اقتصادي قائم على المنفعة المتبادلة لتحقيق المصلحة العامة، والبعد عن التمييز الديني أو الطائفي أو العرقي أو السياسي أو الفكري لأن الاختلافات هي مكوّن أساسي للحياة، ولسنة الله الكونية وشرعة الديني، فالسعودية تبنت مشروعا عالميا للحوار بين الأديان، وتأسيس مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب ومؤخرا قبل عدة أشهر أنشأت مركز اعتدال وهو المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف وقادت حملات على مستوى الإعلام والتعليم تحاول من خلالها نشر ثقافة التسامح والتعايش في المنطقة والعالم.

عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية وباحث في الشأن الإيراني

Sole_20001@hotmail.com

هلسنكي        

 

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    محمد القرني

    نظرة تحليلة شاملة للشأن الاقتصادي والسياسي ابدعت ايها الكاتب الانيق
    تقبل مني التحية والسلام