التعليقات: 0

قسوة الفراق تلين القلب

قسوة الفراق تلين القلب
weam.co/502764
سلمان الشريدة

 

رحل عمي منصور.. رحل الغالي أبو فهد.. رحل قبل أن نودعه.. وأي وداع.. كان وداعاً قاسيًا على النفس، وفاجعاً موجعاً لأحبابه وذويه.

ففي يوم السبت الماضي صدمت كغيري بنبأ الحادث الذي تعرض له، وانهالت الدموع ورُفعت الدعوات له بالشفاء، لكن الله، سبحانه وتعالى شاء، أن نفقده ويغيبه الموت، ويرحل من هذه الدنيا وما فيها، بعد بضعة أيام قضاها في المستشفى بين آلامه، وانتظار أحبته المليء بالأمل لعل الله أن يكتب له الشفاء، لكن الله قدر وماشاء فعل.

 

عمي منصور، رحمه الله، عاش أكثر من سبعة عقود حاملاً قلباً شاباً مرحاً، ونقياً لا يحمل الأحقاد، وابتسامته لا تفارق محياه، كان رحيماً سرعان ما يتراجع، محباً للخير وقريباً منه، وخاتمته خير شاهد، حيث حصل له ما حصل، وهو ذاهب لقضاء حوائج للمحتاجين.

شهد أهل بيته وأقرباؤه وأصدقاؤه الذين سافروا معه بأنه ليس محافظاً على الصلاة بوقتها فحسب، بل حريصاً جداً على ألا تفوته تكبيرة الإحرام.

رحل عمي أبو فهد، رحمه الله، وترك وراءه الأحباب والأصحاب، وبقيت ذكرياتنا الجميلة معه، وما زلت أتذكر ابتساماته في آخر لقائي به، وكان قبل أسبوعين في مجلس رفيق دربه عمنا أبي يحيى، أطال الله، في عمره ومتعه بالصحة والعافية، ذلك المجلس الذي يجمع الرجال يومياً لعدة عقود على المحبة والخير، وغادرت المجلس في ذلك اليوم ولم أعلم حينها أن لقاءه القادم سيكون الأخير بقبلة على جبينه الطاهر، وقبله أبناؤه وبناته وأحبابه وقلوبهم تعتصر لفقده، وليس لنا إلا أن نقول بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ويقين بطريق كلنا عليه سائرون، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك لمحزونون و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

 

إن مثل هذه المواقف وبمثل هذا المصاب تحديداً، الذي يوقظ القلوب الحية ويلين فيها كل قسوة، حري بنا أن نعتبر، ويجب أن نعيد النظر كثيراً في حالنا، ونحاسب أنفسنا قبل غيرنا، فكثير منا خطفته دنياه من نفسه، وأصبح في بعض الأحوال أسيراً لأهوائه في البحث عن الانتصارات سواء على الحق أو الباطل لإشباع النفس الأمارة بالسوء، كل هذا إرضاء للرغبات الطائشة والتافهه، نعم.. إنها تافهة وزائلة فليس في دنيانا ما يستحق المشاحنات، أو الوقوف عند كل شاردة وواردة، فالموت لا يستأذن أحدًا.

 

علمنا رحيله، رحمه الله، أن خير الناس من رحل وبقي عطر ذكره الحسن باقي كعطره، ونحسبه والله حسيبه أنه من الذين قدموا أعمالاً خيرة، وتعامل مع غيره بما يحببه فيه بحياته، وما يرضي الله سبحانه عند لقائه، ومن كمُل عقله أدرك ذلك جيداً، فقد قال الله، سبحانه وتعالى، في سورة الحديد ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

 

أسأل الله سبحانه برحمته أن يغفر لعمي منصور ويجعل ما أصابه تكفيراً لذنوبه ورفعة لدرجاته وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى إنه سميع مجيب.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة