التعليقات: 0

السلام الوطني له التحية

السلام الوطني له التحية
weam.co/527261
د.فهد بن نايف الطريسي

 

ربما تكون حرية التوجهات ركيزة تدعمها الدولة ، وخاصة حرية الفكر مادام لا يتسم بالراديكالية والدعوة الى العنف بما يخل بالسلام الاجتماعي والامن الوطني. وفي ظل القفزات السياسية والاقتصادية فلابد ايضا ان تتبعها -وهذا ما حدث- قفزات ثقافية.
تمتعت المملكة بتدفق منتظم لكل ما من شأنه ان يرفع من سقف الوعي المجتمعي ؛ وانخرط الشباب في الانشطة الثقافية، وصار هناك أفقا في الطرح والحوار يتحتم عليه اتساع وتنوع رقعة الفكر والمفاهيم. ولذلك فمبدئيا نحن لا نمانع ابدا من ان يكون لشخص ما موقفا من بعض المراسيم والبروتوكولات الرسمية سواء لمرجعية فقهية او خلافه ، رغم ان هذه البروتوكولات تتعلق قبل كل شيء بمظاهر سيادة الدولة والولاء لها. انني لن اتعرض هنا لقضايا خلافية ، حول مدى اتباع الكفار في مفاهيمهم بهذه المراسم وخلافه لأن ابسط مثال هو أن الرسول عليه افضل الصلاة والسلام لم يكن يقتل رسل الملوك والامراء ؛ وعدم قتل رسل الملوك كان عرفا دوليا قبل حتى الرسالة المحمدية الشريفة. ولكن على أية حال سأناقش هنا مسألة اراها هامة في التكوين السليم لشخصية القاضي ؛ واننا نعرف مدى سلامة هذا التكوين من خلال عمل القاضي ومن خلال سلوكه داخل القضاء او بين مجتمعه . فمن المعروف أن العمل القضائي شديد الحساسية وهناك مبادئ تحكمه ؛ كاستقلال القضاء ، وحيدة القاضي ، وخلو ذهن القاضي وخلافه. لكن في علم النفس القانوني يهتم العلماء اهتماما بالغا بالتركيب السايكولوجي للقاضي ؛ فيجب ان يتسم القاضي بروح تتوسط بين التشدد والتساهل بلا افراط ولا تفريط. فلا يجوز للقاضي ان يكون متعنتا ولا متشددا في الرأي ، كما لا يجوز ان يكون القاضي متساهلا فيطمع الظالم وييأس المظلوم. ان روح القاضي (واقصد بذلك مركبه النفسي والفكري) ، يجب ان تتمتع بمرونة كافية في تقدير انسب المواقف التي يجب ان تتخذ في مختلف الظروف. ان القاضي الذي تنعدم لديه المرونة يسقط في غياهب الكبر والتعنت وربما تأخذه العزة بالاثم ان وجد محاميا يفند تصوراته القانونية عن الدعوى الماثلة أمامه. فالقضية ليست مسألة تمسك بآراء فقهية على نحو متطرف ، بل هو مقارنة ومدارسة ومعايرة للرأي الفقهي او النظامي او القانوني ، بحيث يتناسب ما يتبناه القاضي من وجهة نظر مع الواقعة الماثلة أمامه. وهذا ما يسميه فقهاء القانون ب (روح القانون) تلك التي يجب ان يتغياها القاضي بعقل متفتح وذهن مرن. فإن كان القاضي منغلق الذهن متشبث الرأي متطرف التوجهات لا يستطيع حتى وضع اعتبارات عديدة محيطة بقراره قبل الحكم او قبل حتى القيام بسلوك معين فهذا في رأيي لا يصلح للقضاء . هناك مثلا اتجاهات فقهية ترفض اساسا فكرة الدولة الحديثة ولا تؤمن بفكرة الوطن ؛ بل تقسم الأرض كلها الى قسمين فإما دار ايمان واما دار كفر. هذا رأي لا نجادل اصحابه فلكل انسان حقيقته الخاصة. ولكن عندما يكون هذا الموقف صادرا من قاض تجاه مظهر من مظاهر سيادة الدولة فهذا ما يجعلنا نضع تحته الف خط احمر كما يفضي الى تساؤل مشروع حول الاعتقاد بالدولة نفسها وبالوطن وبالسيادة. هذا شيء خطير جدا ، وليس كما صوره البعض نوعا من الاقتناع برأي فقهي وموقف يجب ان يحترم. والسؤال البديهي ؛ اذا امتنع قاض عن احترام سيادة دولة كاملة فهل يطلب من الدولة احترام مذهب هذا القاضي؟ واذا كان قاض لا يتمتع بمرونة قياس الظروف بالحكمة والعقل وهو في محفل عام فكيف به وهو يترأس صرح قاعة المحكمة حيث يتمتع بسلطة مطلقة يوجهها بتعسف مؤكد تجاه اطراف الدعوى وقد عازته الحكمة والمرونة اللازمة فيما هو اكبر من ذلك. إن الحكمة ضالة المؤمن ؛ ولم تفت الحكمة عن نبي من انبياء الله وهم يبلغون رسالته ، ودونكم رسائل سيد الخلق الى ملوك العالم وهي تدعوا الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة بلا غلو ولا تطرف. ولو اننا تقصينا سيرة خير الخلق لوجدنا في شخصيته من المرونة والحكمة ما لم يتمتع به بشر غيره … والمرونة والحكمة هما في الواقع لب القضاء . انني ارى أن القاضي الذي يفتقد لهتين الخصلتين لا يصلح للعمل القضائي البتة…فمن افتقر ليسر التعامل مع المجتمع وهو ظاهر لن يغتني بحسن التعامل في الحكم بين الناس وهو مافيه من خفاء.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة