التعليقات: 0

الترقية الحقيقية

الترقية الحقيقية
weam.co/538878
شويش الفهد

مع دخول شهر رمضان الماضي أصبح نبيل مستحقاً للترقية من المرتبة السابعة إلى المرتبة الثامنة في عمله، وقد يستغرق صدور قرار ترقيته الذي يعتمد على وجود شواغر وظيفية بنفس المسمى ونفس المرتبة أشهراً وسنوات ربما تتجاوز عدد السنوات الأربع التي قضاها نبيل في مرتبته الحالية.

غير أن نبيل لا يعير ذلك الموضوع اهتماماً ولا يعطيه أكبر مما يستحق حتى من التفكير، فهو ينظر للأمور من زاوية مختلفة قلما ينظر منها الآخرون، ويرى من خلال تلك الزاوية أن الترقية الحقيقية هي ما يضيفه الإنسان لنفسه من علوم وأخلاق وعادات إيجابية جديدة.

ويرى أيضاً بأن وظيفته الحالية وإن كانت أقل من طموحه ومؤهلاته بكثير؛ فهي نعمة عظيمة من الله بغض النظر عن التأخر في الترقية وعدم الحصول على المميزات التي يحصل عليها أغلب الموظفين في دائرته، فهو دائماً ما يقارن نفسه بمن لا يعمل ولا يوجد لديه وظيفة تدر عليه دخلاً ثابتاً في نهاية كل الشهر فيعرف أنه ذو حظ عظيم.

يقول نبيل أن النظر من هذه الزاوية علمه الرضا والقناعة وحب العمل وشغف التطور وقيمة مساعدة الناس، ويقول أيضاً بأن الإنسان طالما أنه يتمتع بالنعم العظيمة المتمثلة في الصحة والرزق والأمان؛ فإنه يستطيع أن يعمل وينجز حتى ولو كان بلا شهادات علمية أو دورات تدريبية، ولذلك تجده متفائلاً مقبلاً على الحياة بحلوها ومرها، وكل ذلك بسبب إيمانه العظيم الذي انبثقت منه تلك القناعة وذلك الرضا.

عندما فكر نبيل بالاستقالة من عمله أول مرة وجد نفسه بين تيارين متضادين: أحدهما لامه أشد اللوم ووصفه بالمجنون ونصحه بالتشبث بالوظيفة وحذره من خطورة ما يفكر به، والآخر قال له بأنه تأخر في قراره وكان يفترض عليه أن يتخذ ذلك القرار قبل عامين على الأقل.

ورغم أن نبيل ما زال متمسكاً بوظيفته مؤجلاً قرار الاستقالة لأسباب عدة منها الخوف من المغامرة وعدم وجود رأس المال الكافي للدخول في عالم التجارة الذي يتطلب منه مبدئياً أن يكون في رصيده ما يغطي تكاليف مشروعه وما يعينه على الخروج من أزمة الخسارة إن حدثت.

إلا أنه لا زال يجمع بين حب العمل في وظيفته الحالية وبين إمكانية الاستقالة مستقبلاً، فهو يحب عمله لأنه يعشق الإنجاز ويهوى التطور والتعلم في كل يوم وفي كل لحظة.

ولازال يفكر بالاستقالة لأنه مؤمن بقدرة الإنسان على كتابة التاريخ وصناعة المعجزات عندما يريد ذلك، فالشخص الذي يؤمن بقدراته ومهاراته ويطور منها ويشكر الله على ما وهبه من نعم عظيمة، ويقدر تلك النعم حق قدرها فهو قادر على التميز وصنع الفارق بعكس أولئك المنكفئون على أنفسهم المحبطون من حياتهم.

دخل نبيل عالم التجارة عدة مرات بمشاريع صغيرة لكنه فشل، وحاول مراراً وتكراراً الانتقال من عمله إلى عمل آخر أكثر دخلاً لكنه لم يوفق، وخسر كثيراً من الفرص التي كانت تقبل عليه ثم تدبر فجأة بدون أن يعلم السبب، وتعلم من كل تلك المحطات أن الصبر مفتاح الفرج وأن الندم لن يجلب ما فاته من فرص، وأنه بقدر ما يفشل ويخطئ تكون النهاية سعيدة والدرس أعظم.

وأنه كلما زادت محاولاته الفاشلة كان مجده أعظم بسبب عدد تلك المحاولات المستمرة وعدم اليأس من تكرارها، وأن في كل خطوة فاشلة درس عظيم لمن أدرك ذلك.

في النهاية ينتظر نبيل الحصول على حقه في الترقية الوظيفية ليس لأنه سينتقل من مرتبة إلى مرتبة أعلى ومعها سيزداد دخله فقط، بل لأنه يشعر بأن تلك المناسبة ستكون بمثابة المكافأة المستحقة على جهوده العظيمة في تطوير ذاته ومهاراته، وستكون تلك المحطة حافزاً له للبحث عن محطات أخرى أكثر إبداعاً وتميزاً.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة