خاص – الوئام
لا تزال أصداء الرّثاء مُستمرّة مِن أصدقاء الشاعر والأديب الراحل محمد زايد الألمعي، الذي توفّته المنيّة منتصف الأسبوع في العاصمة المصرية القاهرة، إثر جلطة دماغية.
كان محمد زايد الألمعي اسما لامعًا في فضاء الشعر الحديث بالسعودية والعالم العربي. بالإضافة إلى ذلك، فقد امتلك رؤية فكرية وفلسفيّة وحداثية، عبَّر عنها في العديد من أعماله، وللاقتراب أكثر مِن شخصيته، ولذا كان لـ”الوئام” حديث خاص مع صديق الأديب الراحل.
يقول الدكتور أحمد التيهاني إنّ “حجم الفقد أكبر مِن أن يكتب صديق عن صديقه بموضوعيَّة وتركيز، وأكبر مِن اللغة ذاتها؛ لأنّ محمد زايد الألمعي قيمة في ذاته وشعره وإنسانيته ومبادئه وفكره، وهو مُؤثّر تأثيرا يفوق تأثير أي مثقّف سعودي”.
ويُضيف الدكتور أحمد التيهاني، الصّديق الشخصي للشّاعر الراحل، في حديث خاص لـ”الوئام”: “هذا المحمد شاعرٌ تعجزُ النعوتُ عن قصيدته، ومثقَّفٌ تخرجُ منه أفكارٌ، يرتفعُ منها سَحابٌ، تتراكمُ عليه ثلوجٌ كثيرة، فلا هي تُمطر، ولا هي تكفّ عن إبهار العقول بطرائق الاستدلال والعرض والاستنتاج والنتائج”.
ويتابع صديق الأديب الرّاحل: “محمد زايد الإنسان، يأنسُ إلى البسطاء جدا، ويأنسون إليه، فلا يُجالس إلا إيَّاهم، ولا يسعى إلا لهم، ولا يذكر بحُبٍّ سواهم، بيد أن تعرُّجات دروب الحياة تأخذه إلى التقاطُع مع بسطاءٍ مِن نوعٍ آخر؛ وهم البسطاء الذين لا يريدون أن يكونوا بسطاء، أو يتوهّمون أنّهم ليسوا بسطاء، لأنهم -ببساطة- بسطاء في طريقة التفكير، وبسطاء في الأدوات والفهم والقدرات”.
ويؤكّد أحمد التيهاني أن “مشكلة محمد زايد المتفاقمة، ليست مع البسطاء جدا، وإنما هي مع الصنف الثّاني مِن البسطاء عقولا، ممّن لا يستطيعون ابتلاع المعلومة أو إدراك الحقيقة، كأنها -بالنسبة إليهم- لقمةٌ بين الحلقوم والمعدة، ولذا فإنَّهم مع محمد زايد، يشبهون أعرابيًا يستمع إلى أميركيٍّ، وليس بينهما تُرجمان، فيشعرون بالكثير من أسباب النقص، وضعف الحيلة، وهشاشة المخ، ولا يكون أمامهم، والحال كذلك، إلا أنْ يسدوا الثقوبَ الكبيرة في أجرام كونهم، بتفصيل المثالب، وخياطتها، وإلباسها لمحمد زايد، في أكثر من ثوب، حتَّى يخرجوا من دائرة البسطاء عقلا”.

يشعُر بالكثير من الاغتراب
الصديق الشّخصي للشاعر الراحل يكشف عن عدّة صفات للشاعر الراحل، منها الاغتراب، قائلًا: “تلك نتيجةٌ بديهيَّة، لما مرَّت به حياتُه مِن منعطفاتٍ حادةٍ، لا يتجاوزها بسلامٍ إلا من أراد الحقيقة بقلبٍ سليم، ولذا نراه في جلّ قصائده يتَّكئ على السياقات الاجتماعيَّة، وأنماط العلاقة الغريبة بين الشاعر المثقف، والناس وما يحيطُ بهم، ثم تذوبُ قصيدتُه في فلسَفةٍ عميقةٍ لمآل أحواله، وفي مرَّاتٍ كثيرةٍ، يجرِّدُ من ذاتِه طفلا له طموحاتٌ كبيرةٌ وجميلةٌ في الوقتِ نفسِه، ثمَّ يهيم على قلبه، ويكثر -دائمًا- من السردِ الاستعادي لأحلامِ وصفات محمد زايد الطفلِ”.
ويُضيف التيهاني: “محمد زايد الشاعر، يشعُر بالاغتراب بين أهله الجبليين، الذين كانوا يسمُّون القريةَ الوطن، والحقلَ البلد، ويسمّون أشجارَ السّدْر بأسماء الأبناء، حين كان صبيانهم يلتقون بصباياهم في سوق الأحد، وما ذاك الاغتراب إلا بسببٍ من تكاثُر البسطاء عقولا، إلى حدّ اغترابِ مثقَّفٍ يعيشُ تحتَ سدرتِه، وبين أهلِه”.
ويُشير التيهاني إلى عادةٍ أُخرى للراحل الشاعر محمد زايد، وهي الإبحار بالقصيدة في عوالِم من الخيالات، يستبطنُ بها النَّفْسَ، ويجعل من القصيدة رسالةً معرفيَّة شاعرة، تبني الحاضرَ على الماضي حينًا، وتقطعه عنه حينًا آخر، وتنظرُ في المآل الذي لم يكن من آمال الطفولة، حتَّى يموت الطفلُ فيه، أي يموت هو بوصفه طامحًا، ويرسو على شواطئ من القلق والإحباط، وعدم تحقّق الآمال، مما يشي بالرّغبة في التمرّد على أسباب موت الطفل محمد زايد، الذي لم يبقَ له من التأمّل سوى منح الطفل فرصةَ أن يتهجّى مراثيه”.
ويختتم الصديق الشخصي للشاعر الراحل حديثه قائلًا: “محمد زايد، لا يكترثُ بإنتاجه الشعري أو الثقافي أو الفكري، وتلك مثلبتُه الحقيقية، فلم يصدرْ ديوانًا، ولو أصدره، لخجلتْ دواوينُ كثيرة، ووُلد بسطاء جدد، ولم يخرج كتابًا يتضمّن أفكاره العميقة، ولو أخرجه لعرفنا الفارق بين اقتتال الأفكار في الذهن حدّ تخلّقها، واقتتال البسطاء عقولا على قصعةٍ من حضور، أو حفنة من وجاهة، حدّ ذوبانهم في محيطٍ يغسل الأرضَ من بقايا الهباء”.
