عايض أعرض عن هذا !!

تفاجأ الوسط الثقافي قبل أسابيع بإقدام الكاتبة سلوى العضيدان على اتهام الشيخ الداعية الدكتورعايض القرني بسطوه على كتابها ( هكذا هزموا اليأس ) وسرقة جزء كبير مما حواه من مادة علمية قدرتها بتسعين بالمائة ، ضمنها كتابه ( لاتيأس) ورفعت قضيتها إلى وزارة الإعلام التي أصدرت حكمها بإدانة الشيخ القرني وتغريمه ومصادرة كتابه ..! وقد أحدث ذلك ضجيجا إعلاميا كبيرا ودويا اخترق جدار الصمت وحالة الركود والهدوء النسبي في المشهد الثقافي المتأزم ، فقدكان ذلك الحكم بمثابة قنبلة من العيار الثقيل لم تخطرعلى بال أحد من الناس سواء من محبي الشيخ أو من منتقديه ، أحدثت صدمة عنيفة أذهلت جميع المراقبين ، وأربكت صواب المريدين له والمحبين ، وبعثرت أوراق الكثيرين من المتابعين ، وأعادت حسابات آخرين،لا لشيء سوى أن هذا السلوك تتفق جميع الأعراف والأطياف والبشر والأديان على نبذه واستهجانه ، كيف وقد صدرمن شيخ له من  المكانة العلمية والحظوة الاجتماعية ، والسجل الحافل بالدعوة والإرشاد عبرتاريخه الدعوي الطويل ما أكسبه شعبية جارفة في أوساط الشباب خاصة والمجتمع قاطبة ، ومن هنا كان وقع الفاجعة أكبر ودويها أبعد وألمها أقسى وتشظيها في المجتمع أعنف!
ولي إزاء هذا الحدث وقفات نستلهم منها العبر ونستخلص منها الدروس والفِكَر!
الوقفة الأولى : مع الشيخ الجليل عايض القرني أقول له : ليس منا من يشك في مواهبك وقدراتك العلمية والكتابية فدعني أسألك بلسان محبيك وشانئيك ، ماحملك على هذا؟!
 ألست أنت من سطرت يراعك تسعين كتابا نلت على أحدها وهو( لاتحزن)  الجوائز المادية والألقاب الفخرية ، وتجاوزت مبيعاته ثلاثةملايين نسخة، وترجم إلى لغات أخرى ؟! ناهيك عن بقية كتبك الأخرى .
ألست أنت من يسيل لعاب قلمه كل يوم ليكحل به عيون عدد من صحفنا المحلية والعربية بمقالات  رائعة تسر الناظرين ؟!
ألست أنت من كان يرسخ مبادئ القدوة الحسنة ومفاهيم هذا الدين العظيم وأخلاقه النبيلة في نفوس شبابنا جيلا بعد جيل ، عبرالخطبة والمحاضرة والكلمة المكتوبة ؟!
 فما الذي دفع بك ياشيخ إلى هذه المغامرة الخطرة ، والمصيدة الشائكة ؟! كيف رضيت لنفسك هذا المسلك الوعر والمرتقى العسر؟ ألم تفكر بعواقبه وأنت النبيه الفطن ! بل أنت كماكنا نعتقد ولانزكيك العالم الورع؟!
إنها أسئلة حائرة واجفة ظلت تجول في خاطري تبحث لها عن مأوى، أبحتُ ببعضها وأعرضت عن بعض !
  شيخنا الجليل إنك وغيرك من القدوات العلمية والفكرية والدعوية لاتمثل نفسك وحدها ، بل تمثل تياراعريضا في المجتمع نال ثقة شرائح كبيرة من الشباب والمجتمع ، لذاكانت الخطوات محسوبة والهفوات مكتوبة ، وكماقيل ( غلطة الشاطربعشرة ! ) .
لكن أماوقد وقع الفاس على الراس، وسبق السيف العذل  وقد تمنينا أن لم يكن، فأحب أن أطمئنك بأن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة ، وأن ماحصل هو ذنب بشري عارض ، فلايدعي العصمة أحد غير المصطفى والرسل عليهم الصلاة والسلام ، فكل أمتي خطاء وخير الخطائين التوابون ، والاعتراف بالحق فضيلة وقدعهدناك ياشيخ رجاعا للحق صادعاً به ، وهذه هي شيم الكرام ، وقد أعلنها الفاروق مدوية ( أصابت امرأة وأخطأعمر)، وليكن من قدوتك أخوة يوسف حينما أقروا بخطئهم – وقدقيل إنهم أنبياء – رافعين شعار الندم :( ياأباءنا استغفرلنا ذنوبنا إناكناخاطئين) وقدسبقهم الكريم ابن الكريم بقوله :( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) فأعلِنْهاصريحة شيخنا بكل شجاعة وتواضع، ولاتلجأ إلى تبرير يلمح من وراءه الإصرار والاستكبار ! بل لاتكتف باعتذار خجول مشوب برائحة الاستعلاء – وحاشاك –  فالحق يعلو ولايعلى عليه .
فانهض ياشيخ من عثرتك( ولاتحزن ) وامتط صهوة جوادك الأصيل (ولا تيأس) وأطلق عنان قلمك يصول ويجول في ميدان الكتابة الرحب في الهواء الطلق النقي ، فقد عهدناك فارسا مغوارا لايشق له غبار، فلاحاجة لك بحصان مستعار!
الوقفة الثانية : مع الكاتبة سلوى أقول لها: لقدكان لاسمك عليك فأل وسلوى وأنت تخرجين ظافرة من عنق تلك البلوى ، بعد معاناة وطول ترقب ، فأهنئك بإنصافك واسترداد حقك ، وكم تمنينا أن غيوم المشهد قد تبددت فور إعلان الحكم لك ، وأن سحابة العفو والتسامح أظلت حديقة قلبيكما المزهرين ! ولكننا أحسسنا برائحة التشفي والخصام تنبعث من ثنايا المساجلات بينكما، وكأن هناك من يؤجج نار القضية ويذكي أوارها لتأكل الأخضر واليابس ، بدل أن تسكبا عليها الماء البارد ، وتزرعا فوق تربتها أغصان الزيتون الندية ؛ لتقف على فننها حمامة السلام تصدح بهديل المحبة والإخاء !
أختي سلوى نحن لانقلل من حجم الضرر الذي لحق بك ، ولا من قسوة الألم الذي اعتصر فؤادك وأنت تشاهدين من يسطو على  ثمرة غرسك الذي بذلت فيه ثمنا باهظا من وقتك وجهدك ! كمالاننكر حقك في المطالبة والمحاكمة ، بل نشد من أزرك  وندعو لك ، لاسيما وقد بذلت جهدا محمودا وسعيا مشكورا لاحتواء الأزمة في مهدها – كما تذكرين – لكننا تمنينا منك وأنت التربوية الواعية أن نلمس أثر نتاجك التربوي ووصاياك الحكيمة واقعا ملموسا بعد الظفر، إيمانا منا برجاحة عقلك ودماثة خلقك وإدراكك لهذا التوجيه الرباني الكريم ( وأن تعفو أقرب للتقوى ) (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) ! لكنك بخلت على الشيخ حتى بكلمة ( أخي ) وأنت تدركين حتما ( إنما المؤمنون إخوة ) ! تمنينا أن نلمس منك تواضع المنتصر وتسامح الكبار واحتساب الصابرين على حد قول العربي الشهم :
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ………………………… أغشى الوغى وأعف عند المغنم
تمنينا أن نسمع من فيك عبارة يعقوب الرائعة ( لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ! تمنينا أن تتمثلي قول الكريم  المنان ( رب اغفرلي ولأخي ) !
وأن تقولي وقد حصحص الحق : عفى الله عما سلف … لنغرس في وجدان أبنائناثقافة التسامح والعفو .
 أختي سلوى : أعلم وأنت أيضا أنك متحتِ من مورد كتبه الأخرى الكثير، وأشعلت من شموع فكره في كتابك ماأضأْ تِ به صفحات كتابك الجميل ، فلا أقل من أن تخلعي عليه رداء العفو والصفح ، فالعفو عند المقدرة ( ولاتنسوا الفضل بينكم )
الوقفة الثالثة : مع مريدي الشيخ ومنتقديه أقول : إنني أقدر عمق الجرح الذي أصاب سويداء قلوب محبيه ممن منحوه وغيره من الفضلاء ثقتهم الكاملة ، وخلعوا عليهم جلباب القداسة والنزاهة المطلقة ، دون الأخذ باعتبارية نقصهم البشري، وضعفهم الفطري ، وانتفاء العصمة عنهم ، وانهزام بعضهم أمام نوازع نفسه وحظوظها الدنيوية، ولوأنهم إذ صدموا نظروابعين الحكمة والبصيرة كيف وقعت من لدن بعض الصحابة – رضوان الله عليهم – كحاطب وحسان وأبي ذر وغيرهم بعض السلوكيات الخاطئة التي احتضنها الرسول الكريم صلوات الله عليه ، وتعامل معهاببشريتها المحضة بواقعية هادئة ووسطية رائعة !
 لكن عز على محبي الشيخ بنظرتهم المثالية المفرطة أن تهتز ثقتهم به ، ويترنح الرمز أمامهم في مشهد لم يألفوه ولم يستوعبوه أيضا، فتسقط تلك القدوة التي طالما استلهموا منها قيم النبل والفضيلة !ولم تحتمل أحلامهم المرهفة قوة الحدث وفظاعته، فخامر الحزن عقولهم وحجبها عن رؤية الواقع بصورته البشعة، فنطقت عواطفهم بعقلها اللاواعي تنكر الحقيقة، وتقلب لها ظهر المجن ، كما غلب عنفوان الصدمة الفاروق حال سماعه نبأ وفاة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه فنطق بعاطفته المثقلة بالأسى !! قبل أن يعلو صوت الحكمة على لسان الصديق معترفا بالواقع رغم مرارته ، ومن هنا تكمن المشكلة في التربية الاجتماعية الغارقة في الوهم والمثالية ، والثقافة الجمعية الموغلة في التقديس والتصنيم !!
أمامنتقدو الشيخ وأقصد خصومه المتحزبين فقد اهتبلها بعضهم فرصة سانحة للاصطياد في الماء العكر ، والطعن ليس في ذات الشيخ فحسب ، بل في المنهج الذي يرتأيه ، في نظرة حزبية ضيقة ، لحاجة في نفس يعقوب ، ولجوا في الشتيمة وولغوا في الشماتة ، وغالوا في التنقص والتندر والتعميم ، بلغة حدية جارحة ، متجاهلين عن قصد أوغيرقصد انتفاء العصمة البشرية عن أي كائن سوى الرسل مهما شرف قدره وعلا نجمه ، ووجوب القصد والاعتدال في الحكم ، والابتعاد عن الفجور في الخصومة ، والاعتراف بأن التعميم خطأ منهجي يفقد صاحبه المصداقية والموضوعية والثقة به ، وهؤلاء أذكرهم بقول الشاعر :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها        كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
ولهؤلاء وأولئك أقول : لقد آن لنا أن نعيد مفهوم القدوة عندنا على أسس علمية (لقدكان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) وإنه لاعصمة لأحد سوى الأنبياء ، وإن الإيمان ببشرية الإنسان  يستلزم الاعتراف بنقصه وضعفه ، ومبدأ العدل يقتضي النظرتجاه الأشخاص والأحداث بواقعية واعتدال ، فالعلماء والدعاة ليسوا ملائكة ولامعصومين، وليسوا بمنأى عن نزغ الشيطان وتوهيمه !مع الاعتراف بفضل كثير منهم وثقل المسؤولية الملقاة على عواتقهم ، حتى لانصحو  يوما على دوي كارثة أخرى تزيغ منها العقول والأبصار ! ولايغيب عن ذهن أحد منا – ونحن نعاني من تشظي هذه الحادثة – عتاب الله جل في علاه لأنبيائه المعصومين فيما لايخفى حاله على مطلع !! وعتاب رسوله المصطفى لطائفة من أصحابه في مواقف شتى! فمابالك فيمن دونهم !
الوقفة الرابعة : مع وزارة الإعلام : اختصرها بشكري وشكر كل متابع للمشهد الثقافي لهم على إحقاق الحق وإنصاف أهله ، وحفظ الملكية الفكرية من الاختراق والاحتراق ، وصونها من العبث والاستخفاف من قبل أي معتد صغر أم كبر ، دون محاباة أومجاملة ! وإنزال أقسى العقوبات العادلة بحق مرتكبي هذه الاعتداءات البشعة بمايحفظ حق الإبداع الفكري والذود عن حياضه الصافية من التلويث والتدنيس ، ليكون ذلك رادعا لكل من تسول له نفسه تسلق الأسوار الفكرية والحصون العلمية وسرقة محتوياتها وجواهرها الثمينة على حين غفلة من أهلها.
وإنني من هنا أدعو الوزارة إلى رفع مستوى التثقيف والوعي الاجتماعي بهذه الحقوق الفكرية ، والإعلان عن العقوبات القانونية المترتبة على هذه السرقات التي لاتقل قبحا وإثما عن سرقة الأموال والممتلكات العينية بحال ، بل هي أشد وأنكى ، كماأطالبهم بنشر التوعية الأخلاقية والدينية تجاه هذه القضية من خلال إعداد البرامج التثقيفية والتوعوية، واستضافة المختصين من الشرعيين والمفكرين والتربويين والحقوقين عبر وسائل الأعلام المختلفة، والتعاون مع المؤسسات والجمعيات العلمية والأدبية للتصدي لهذه الظاهرة المشوهة لنسيجنا العلمي والثقافي .
كما أدعو إلى إنشاء هيئة متابعة مستقلة تترصد لتلك السرقات الفكرية والإبداعية والفنية ، وتفضح أصحابها وتقدمهم للعدالة على غرار ( هيئة مكافحة الفساد الفساد ) يستطيع من خلالها القارئ العادي قبل المثقف التواصل معها من خلال قنوات اتصال مباشرة معلنة ، ينال بموجبها مكافأة تحفيزية تتناسب مع حجم الجهد المبذول وقيمته العلمية!
وأخيرا فإن كان هناك من عتب على لجنة المخالفات في الوزارة فهو ذلك التعقيد الممل في الإجراءات القانونية عندالتعاطي مع هذه القضايا قبل الفصل بها ، مما أطال من عمر الاحتقان والاحتباس في أنفاس المشهد الثقافي المترقب قبل أطراف القضية نفسها ، وفي ذلك من الألم النفسي والتأزم الاجتماعي مالايخفى ! فلقد أخذت هذه القضية بالذات مساحة من الوقت أكبرمما تستحق، مع أنها لاتستغرق في تقديري أكثر من أسبوعين إلى ثلاثة على الأكثر!
وأختم بالقول : إن التصدي للسرقات الفكرية وحفظ الحقوق الملكية للمؤلف واجب اجتماعي كبير ، يقع على عاتق المجتمع بأسره ، بكل شرائحه وأطيافه ، وليس هو هماً نخبويا ولا واجبا ثقافيا كماقد يعتقد البعض؛ بل واجب اجتماعي ؛ لأنه يعكس بعدا أخلاقيا جمعيا وسلوكا تربويا عاماً يدفع المجتمع كله ثمن فاتورته الباهظة، وعجبي من مجتمع يجرم يدا امتدت لسرقة علبة بيبسي أوحبة بطيخ ، ولايكترث لسرقة فكر وإبداع ! لذا لابد أن تنوء بحمل هذا الهم كل المؤسسات العلمية والقضائية والتربوية والإعلامية في المجتمع، لتشكل في ضميرالأمة من جراء هذه الجهود وعيا أخلاقيا نقيا ، يدعو إلى المثل العليا ويتحلى بها ، ويمقت كل صور الفساد ويحذر منها!.
د.رشيد بن عبدالله الربيش
عضوهيئة التدريس بجامعة القصيم