إذا كنت تحمل الاعتقاد بوجود الأشباح، فاطمئن، لست وحدك. تشترك في هذا مع ثقافات عدة حول العالم، تحتضن فكرة وجود الأرواح التي تنتقل من عالم الموت إلى عالم آخر.
الأشباح ليست مجرد خيال، من هذه الوجهة، بل ظاهرة متفق عليها بشكل واسع. وهو ما أثبته استطلاع للرأي أجرته شركة Ipsos عام 2019، قالت نتائجه إن 46% من الأمريكيين يؤمنون بالوجود الحقيقي للأشباح، بينما يعتقد 7% في مصاصي الدماء.
ووفقًا لدراسة أجراها مركز بيو للأبحاث في عام 2015، يزعم حوالي 18% من الناس أنهم رأوا أو شهدوا وجود شبح. فما الذي يدفع الكثيرين للادعاء بهذه التجارب مع العالم الآخر؟

يعتقد البعض أن السبب وراء ذلك هو “pareidolia”، أي ميل عقولنا لاكتشاف أنماط (خاصة الوجوه والأشكال البشرية) في المحفزات الغامضة. يقول ستيفن هوب، عالم نفس سريري وأستاذ في جامعة جنوب إلينوي إدواردسفيل، وينقل عنه موقع “Live Science“، موضحًا أن من الأمثلة الشائعة حول هذا أن نرى وجوهًا أو شخصيات في الغيوم، أو أن تظهر الأشكال والظلال في الظلام كأنها أشباح.
إن فكرة استمرار الأرواح بعد الموت هي فكرة قديمة، تظهر في العديد من القصص والأساطير. هذه الفكرة أصبحت جزءًا من الفولكلور، معتقدات تتعلق بالحياة بعد الموت والتواصل مع العالم الروحي.
منذ فترة طويلة، حاول الناس -أو ادعوا – التواصل مع الأرواح. في القرن التاسع عشر في إنجلترا، كان من المألوف عقد جلسات بحث عن الأشباح بعد فترة الشاي والفطائر في صالونات التجميل. وفي الجامعات المرموقة مثل كامبريدج وأكسفورد، شُكلت نوادي للبحث عن الأشباح. وفي عام 1882، تأسست جمعية البحوث النفسية، وكانت إليانور سيدجويك، وهي امرأة تحقيق، من بين أبرز الباحثين، والتي يمكن اعتبارها أول محققة للأشباح. وفي أمريكا خلال القرن التاسع عشر، زعم العديد من الوسائط النفسية الاتصال بالموتى، ولكن لاحقًا تبين أنها عمليات احتيال تم كشفها من قبل محققين متشككين مثل هاري هوديني.
هل يمكن إثبات الأشباح علميًا؟
تواجه دراسة الأشباح تحديات عديدة من الناحية العلمية، لارتباطها بظواهر خارجة عن التجريب العلمي؛ كالأبواب التي تغلق بمفردها، أو الأشياء المفقودة، والأماكن الباردة في المنازل، أو حتى رؤية الميت القريب.
في كتابهم “لقاءات شبحية: مطاردات الحياة اليومية”، وجد عالمي الاجتماع دينيس وميشيل واسكول أن العديد من المشاركين في دراستهم لم يكونوا متأكدين مما إذا كانوا قد تعرضوا لتجربة شبحية أو لا، ببساطة لأنهم لم يشهدوا شيئًا يمكن تعريفه على أنه “شبح” بالمعنى التقليدي. بدلًا من ذلك، اعتقد الكثيرون أنهم تعرضوا لشيء غريب لا يمكن تفسيره بسهولة.
هذه التجارب المختلفة تعقد فهم الظواهر الشبحية، فالعديد من الأشخاص الذين يزعمون أنهم شاهدوا أشباحًا لم يروا ما يمكن لمعظم الناس تعريفه بـ “شبح” كلاسيكي. بل ربما تجاربهم كانت مختلفة تمامًا، لكن الشيء المشترك بينها هو عدم إمكانية تفسيرها بسهولة.
هناك العديد من الظواهر المشتركة التي قد يتم تفسيرها بشكل خاطئ على أنها أشباح، مثل شلل النوم الذي يجعل الأشخاص يشعرون بأنهم يرون أشباحًا أو كائنات غريبة.

ومن الصعب إجراء دراسات علمية حول الأشباح بسبب عدم وجود تعريف متفق عليه عالميًا لمفهوم الشبح. يعتقد البعض أنها أرواح الموتى التي لم تنتقل بعد إلى الجانب الآخر، بينما يعتقد آخرون أنها كيانات تنبعث من خيالاتنا.
وحتى معظم التقنيات المستخدمة لاكتشاف الأشباح مثل الكاميرات وأجهزة كشف المجال الكهرومغناطيسي وغيرها، لم يثبت أن أيًا منها يمكنه اكتشاف الأشباح.
لماذا يؤمن الناس بالأشباح؟
وفق ستيفن هوب، يظل العديد من الأشخاص مؤمنين بوجود الأشباح نتيجة لتجاربهم الشخصية. هؤلاء نشأوا في بيئة تعتبر وجود الأرواح أمرًا مألوفًا. وإضافةً إلى ذلك، يمكن أن يلبي الإيمان بالعالم الروحي حاجة نفسية عميقة، كما يقول أستاذ علم النفس الأمريكي.
“لا يزال هناك الكثير في هذا الكون الذي لا نفهمه، ومن المريح ملء الفراغ بالتفسيرات. غالبًا ما تُرضي التفسيرات الخارقة للطبيعة هذه التساؤلات حول المجهول، حتى في غياب الدلائل الفعلية، لأنها توفر إحساسًا مزيفًا بالوصول إلى الحقيقة”، كما يشير هوب.
على سبيل المثال، يزعم البعض وجود دعم علمي لوجود الأشباح يمكن العثور عليه في مجالات العلم التي لا تقل تعقيدًا عن الفيزياء الحديثة. يُشاع على نطاق واسع أن ألبرت أينشتاين قد اقترح أساسًا علميًا لوجود الأشباح، بناءً على القانون الأول للديناميكا الحرارية: الطاقة لا يمكن إنشاؤها أو تدميرها ولكن يمكن فقط تغيير شكلها، فماذا يحدث لطاقة أجسادنا عندما نموت؟ هل يمكن أن تتجسد هذه الطاقة كشبح؟، هكذا يفسرون الأمر.
لكن، وحتى مع الاستناد إلى هذه النظرية، فالإجابة لن تكون سوى بسيطة جدًا؛ بعد وفاة الشخص، تتحول الطاقة في جسمه إلى المكان الذي تتحول إليه طاقة جميع الكائنات الحية بعد موتها: إلى البيئة. يتم إطلاق الطاقة في شكل حرارة، وتستهلكها الحيوانات التي تأكلنا سواء كانت حيوانات برية إذا تركنا دون دفن، أو كائنات مثل الديدان والبكتيريا إذا دُفِنا، والنباتات التي تمتصها.

