د. عمرو الديب، أستاذ مساعد في الأكاديمية الرئاسية الروسية ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجامعة لوباتشيفسكي الحكومية الروسية
انتهت الانتخابات الرئاسية الروسية معلنة نتائج غير مسبوقة حظي فيها الرئيس فلاديمير بوتين بنسبة عالية لم تحدث في تاريخ روسيا الحديث، ومع ذلك حصل الاستحقاق في وقت ليست روسيا كدولة عظمى في أفضل حالاتها، ربطاً مع علاقاتها الدولية بشكل أساس، خاصة في ظل العقوبات غير المسبوقة وتأثر الاقتصاد واستمرار العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا.
فخلال الفترة الماضية حاولت الإدارة الروسية التأقلم ومقاومة كل الظروف الراهنة التي لحقت بها وكما أشرنا العقوبات أخذت الحيز الأكبر، لذلك رأينا التوجه الأخير لروسيا حول آسيا والشرق الأوسط في محاولة منها لسد الثغرات التي حصلت بعد القطيعة مع أغلب دول العالم والتي اختارت الوقوف إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا، فما كان من الأخيرة إلا تمتين العلاقات مع الحلفاء والأصدقاء حتى وإن كان في جوانب معينة، وجزئياً استطاعت موسكو بفضل هذا النهج الاستمرار حتى اللحظة.
بالتالي، في عالم سريع التغير وتدهور غير مسبوق في علاقات روسيا مع الغرب، أصبح “الاستقرار” حاجة ملحة، وفي نظر أغلب الناس في روسيا فإن إعادة انتخاب بوتين أمر متوقع وعقلاني تماماً.
الآن هناك 6 سنوات جديدة سيتم خلالها إعادة ترتيب الملفات الكثيرة، لكن أهمها العلاقات الروسية مع الولايات المتحدة والغرب، والعلاقات الروسية مع الشرق الأوسط:
أولاً، العلاقات الروسية مع الولايات المتحدة: يعتقد كثيرون أن أغلب الملفات قد تذهب باتجاه الحل مع بدء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتنصيب رئيس جديد للولايات المتحدة لتعود المنافسة بين الخصمين، الرئيس الحالي، جو بايدن والرئيس السابق، والمرشح الرئاسي دونالد ترامب، لكن على عكس أي توقعات من غير الممكن البناء على السياسية الأمريكية الحالية أو القادمة، فقد انطلق البعض اعتماداً على تصريحات ترامب أنه سينهي الحرب الأوكرانية ما إن تتم عودته للبيت الأبيض، لكن لمن لا يعرف، أن هناك لوبي كبير في واشنطن لا يدير فقط الولايات المتحدة، بل يدير العالم إلى حدٍّ ما، ومثال ذلك، أن هناك ضغط على الكونغرس لاستمرار تقديم المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا رغم المعارضات الكثيرة، وجميعنا يعلم أن هذا الإصرار الهدف منه روسيا.
بالتالي، من غير المعتقد أن تتغير السياسات الحالية لموسكو حيال علاقتها مع واشنطن، وإن حدث العكس في ظل الظروف الراهنة فهو أشبه بمعجزة والمعجزات في القرن الواحد والعشرين لا تحدث وبالتالي لا تتحقق، لكن تبقى الأمور على صعيد العلاقات الدبلوماسية أقله عبر سفارات البلدين، أما التعويل على الاستفادة من وصول ترامب إلى سدة الحكم، فلن يغير من واقع الأمر شيئاً، وهذا ينطبق عليه وعلى غيره، بالتالي، قد يكون هناك تهدئة من نوع ما، وبداية مفاوضات لكن هذا لا يتحقق إلا باتباع أسلوب مقايضة الذي تشتهر به واشنطن ما قد ترفضه روسيا (على سبيل المثال: الإصرار على العودة إلى حدود 1991).
ثانياً، العلاقات الروسية مع الغرب (أوروبا): على الرغم من أن هناك انقسام في المواقف الحالية تجاه روسيا، لكن أثبتت التجربة أن أوروبا، ضعيفة التأثير أمام قرارات الولايات المتحدة، ولا يمكن أن يحدث أي أمر دون فيتو أمريكي، حتى مع المحاولات الفردية التي قامت بها بعض الدول (فرنسا عندما طرحت فكرة الجيش الأوروبي) تم قمع الفكرة من أساسها، لقد عرفت واشنطن نقاط ضعف كل دولة، بما في ذلك إضعاف أكبر قوة اقتصادية في أوروبا (ألمانيا) وطبعاً كله بسبب روسيا، بالتالي، ستحافظ روسيا بدورها على ما أمكن من علاقاتها مع الدول التي تدور في فلكها إلى حد ما مثل (المجر وسلوفاكيا) لكن أيضاً من المستبعد حدوث تغييرات على المديين القريب والمتوسط إلا إذا قرر الجميع أن الحل السياسي هو الغالب أو قد ينجرف الوضع إلى أسوأ مما هو عليه أقله من الناحية العسكرية ومسألة تطبيق فكرة إرسال قوات غربية علناً إلى أوكرانيا، فهنا ستتغير كل المعطيات ولن يكون هناك بارقة أمل في تحسن العلاقات خاصة مع توسع الناتو واقترابه من الحدود الروسية، بالتالي تهديد الأمن القومي الروسي.
ثالثاً، العلاقات الروسية مع الشرق الأوسط: في العامين الماضين استطاعت روسيا تحقيق نتائج كبيرة في تحالفاتها مع دول الشرق الأوسط خاصة مع دول الخليج ومصر وجزئياً العراق، وهذا يعني الاقتراب جداً من المصالح الأمريكية، التي ردت ردها الأول في منع إنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان إلى الآن على الأقل، بالتالي، وفي ظل الحرب الإسرائيلية في غزة، تم وضع العلاقات الدولية في منعطف جديد، وأصبح التركيز من قبل المحور الغربي على دعم إسرائيل أكثر من أي شيء آخر، وبنفس الوقت فتح ذلك الطريق أمام روسيا لتثبيت مواقعها في الدول التي تربطها معها مصالح خاصة الاقتصادية منها (الإمارات على سبيل المثال) وفي سوريا، يكفي أن نشير إلى أهم قاعدتين روسيتين في طرطوس واللاذقية السوريتين، بالتالي، نجحت روسيا إلى حد كبير في تمتين علاقاتها الخارجية مع دول الشرق الأوسط، وهنا من الممكن إضافة تركيا جزئياً، رغم أنه لا يمكن التأكيد على متانة التحالف مع أنقرة في ظل تشابك وتقاطع علاقاتها مع كل الدول، فلا صديق دائم لها وكذا لا عدو دائم.
من هنا، إن المراهنة على تعزيز التواجد الروسي كسابق عهده على الساحة الدولية هو أمر مهم لموسكو، وهي تعمل جاهدة لاستعادة مكانتها القوية في هذا الاتجاه، وإن كان ذلك بصعوبة، لكن من خلال التشبيك عبر الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، والمنظمات الأخرى كالبريكس وشنغهاي وغيرها، واستقبال دول جديدة، سيعزز من المكانة الروسية على المستوى الدولي، يكفي هنا الإشارة إلى قانونية العلاقات الروسية واحترامها المبادئ والأعراف الدولية وأنها طرف أصيل على المستوى العالمي، وكل الملفات يجب أن تمر عبرها، فإن كان يعتقد البعض أن روسيا بحاجة إلى استعادة العلاقات مع الغرب من جانب أحادي، هذا غير صحيح، فهم على المدى المتوسط والبعيد أكثر المتضررين من النهج الذي اختاروه، بالتالي، إن المرحلة المقبلة مليئة بالتطورات، وروسيا اليوم أقوى مما كانت عليه، ونجاحاتها الأخيرة في منطقة العمليات العسكرية في أوكرانيا خير مثال على قمع التدخل الغربي الضخم بجزء يسير مما تملك.

