مع تزايد التوترات السياسية والجيوسياسية في العالم، برز القطب الشمالي كساحة جديدة للصراع بين الحليفتين روسيا والصين من جهة، وأمريكا وكندا وأوروبا من جهةٍ أخرى، في ظلّ تطورات كبيرة نشهدها عالميا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، واستمرارها إلى اليوم، وتفجّر الوضع في فلسطين، مع تأجّج الصراع في 7 أكتوبر 2023.
ويرجع الصراع في القطب الشمالي إلى محورين أساسيين؛ وهما: الموارد الطبيعية الكبيرة التي تمتلئ بها المنطقة من نفط وغاز ومعادن، و”الممر الملاحي” طريق بحر الشمال الذي يربط بين أوروبا وآسيا.
تغيير الاستراتيجية
كان القطب الشمالي ساحة نفوذ بين موسكو وواشنطن منذ حقبة الحرب الباردة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهدأ الأمر نسبيا، لكن مع تجدُّد الصراع الروسي الأوكراني منذ 2014 حتى اندلاع الحرب في 2022، وصولا إلى 2024، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تُولي أهمية كبيرة لتعزيز قوة القارة الأوروبية عبر حلف “الناتو”، وتقوية خط الدفاع الأوروبي على الأرض وفي البحر، خاصة بشمال القارة.
يحتوي القطب الشمالي على 30% من الغاز الطبيعي غير المستغَلّ في العالم، و13% من الاحتياطيات النفطية الكامنة، وتم تقييم الموارد المعدنية في المنطقة، بما في ذلك خام الحديد والنحاس والنيكل وفوسفات الزنك وحتى الماس، بما يصل إلى تريليون دولار، ووفقا لتقدير “وونج”، فإنّ وجود هذه الثروات يجعل المنطقة هدفا مغريا، تتصارَع عليه الدول الكبيرة.

الممر البحري
مع ارتفاع درجات الحرارة وتغيُّر المناخ وذوبان الجليد في البحار، تكمن أهميَّة طريق بحر الشمال الذي يبلغ طوله أكثر مِن 3000 ميل بحري (5556 كيلومترا)، ويربط بين بحر بارنتس ومضيق بيرينج، وهو أقصر طريق بين أوروبا وآسيا، وكذلك أقصر طريق بحري بين الشرق الأقصى والجزء الأوروبي من روسيا.
رغم التعاون القديم بين روسيا والغرب في القطب الشمالي، فإنّ التطوّرات والتوترات الحالية التي يشهدها العالم وساحة الحرب في أوكرانيا تُنذر بقدوم صدام مُتوقَّع في مياه القطب الشمالي.
وتعليقا على هذا الصراع المحموم، يقول إيفان يواس، كبير المستشارين في المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية التابع للرئاسة الأوكرانية، إن “روسيا تطمح لتحويل الطريق البحري الشمالي، وهو ممر بحري صالح للملاحة عبر مياه القطب الشمالي. ويُمكن المرور حاليا دون مرافقة كاسحة الجليد في أشهر الصيف فقط، ويستخدم الممر بشكل أساسي من قِبل السفن الروسية لنقل موارد القطب الشمالي إلى الأسواق في آسيا، ومع ذلك، فإنَّ استراتيجية روسيا في القطب الشمالي لعام 2020 تتصوّر تحويله إلى ممر بحري تنافسي بين آسيا وأوروبا بحلول عام 2035”.
وتُنفِّذ روسيا المشروع الفيدرالي “تطوير طريق بحر الشمال”، والذي يتضمَّن إنشاء البنية التحتية التي ستزيد حركة الشحن إلى 80 مليون طن في عام 2024، و110 ملايين طن بحلول عام 2030، بالإضافة إلى زيادة الطاقة الإجمالية للموانئ البحرية لـ110 و115 مليون طن على التوالي.
تحالفات القوى
يُضيف إيفان يواس، في حديث خاص لـ”الوئام”: “بالنظر إلى الاهتمام المتزايد لروسيا والصين بالقطب الشمالي، قرّرت الولايات المتحدة الأمريكية إجراء مناورة عسكرية هناك في فبراير مِن هذا العام، حيث تهدف واشنطن إلى تعزيز العلاقات مع كندا والدنمارك، اللتين لديهما أيضا إمكانية الوصول إلى القطب الشمالي عبر غرينلاند، وأعتقد بأنّ النرويج وأيسلندا ستكونان في نفس التحالُف”.
وفيما يخصّ الصين، يُوضِّح كبير المستشارين في المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية: “بكين لا تملك وصولا مباشرا إلى القطب الشمالي، لكن مِن خلال روسيا تريد أيضا استغلال مواردها الطبيعية؛ حيث تجدر الإشارة إلى أنّه قبل بَدء الحرب الروسية، بدأت موسكو في عسكرة المنطقة، مما تسبَّب في عمل مرآة لدولٍ أخرى في منطقة القطب الشمالي، فقبيل الحرب كان يتم التعامل مع قضايا القطب الشمالي من قِبل مجلس القطب الشمالي، لكن الآن لم يعد هذا المجلس موجودا عمليا”.
ويُتابع إيفان يواس: “مما يزيد الطين بلة، أنَّ الصين بَنَت العديد من كاسحات الجليد على مدى السنوات القليلة الماضية، والتي أثارت بعض الأسئلة، لأنَّ بكين لا تقع في خطوط العرض الشمالية، فعلى مدى السنوات العشرة الماضية، استثمرت الصين مليارات الدولارات في مشروعاتها بالقطب الشمالي؛ كما تطلق الصين على نفسها اسم دولة قريبة من القطب الشمالي”.

الصين والمعادلة في القطب الشمالي
الاهتمام الصيني بالقطب الشمالي حديث نسبيا، فحتى العام 1989 لم يكن لديها سوى مركز واحد للأبحاث متخصّص بالقطب، وكانت تمتلك كاسحة جليد واحدة اشترتها من أوكرانيا.
في عشرينيات القرن الماضي، أرادت فرنسا كسر الاحتكار الأمريكي والبريطاني للخطوط البحرية القطبية، فسمحت لدول من خارج المنطقة القطبية بالانضمام إلى معاهدة التجارة الخاصة بالممرات البحرية القطبية، ومنها الصين، وفي العام 1991، وقّعت الصين وفرنسا اتفاقية سمحت لبكين بنصب محطة ثابتة لها أطلقت عليها اسم “محطة النهر الأصفر القطبي”.
في العام 2013، أصبحت الصين عضوا مراقبا إلى جانب 6 دول جديدة، بينها 5 دول آسيوية في “مجلس القطب الشمالي”، وهو منتدى لثماني دول قطبية يعمل على تطوير الأبحاث العلمية والبيئية والبحرية. وفي العام نفسه، وصلت أوّل سفينة صينية لنقل البضائع إلى تلك المنطقة.
في السياق، يقول الدكتور شاهر الشاهر، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة “سون يات سن” الصينية، إنه “يُمكن تلخيص الأهداف الصينية مِن المنطقة القطبية بثلاثة دوافع: أمنية، وأخرى تتعلَّق بالثروات الطبيعيّة الموجودة هناك، وأهمية إقامة مراكز بحثية في تلك المنطقة”.
ويُتابع الدكتور شاهر الشاهر، في حديث خاص لـ”الوئام”: “في يناير 2018، طرحت الصين ’مشروع الحزام والطريق القطبي’، الذي يتيح لها الحصول على منافذ على منطقة القطب الشمالي، ممّا جعل دول المنطقة القطبية أمام مكاسب اقتصادية كبيرة مِن تعاونها مع الصين”.
ويُضيف أستاذ الدراسات الدولية في جامعة “سون يات سن”، أنّه “منذ ذلك الحين تُحاول واشنطن زيادة مخاوف تلك الدول عبر الحديث عن ’الأطماع الصينية’ في إقامة قواعد عسكرية لها في تلك المنطقة، واتّهام بكين بالتجسُّس على تلك الدول، وهي اتهامات مكرّرة، تنفيها بكين دوما، وتطلب من أمريكا تقديم الدليل عليها”.
ويُؤكّد الدكتور شاهر أنّ “وجهة نظر بكين أنها معنيّة بإجراء الأبحاث المناخية في القطب الشمالي، حيث تتعرّض بعض المدن الساحلية الصينية، ومنها شنغهاي، لفيضانات متكرّرة بسبب ذوبان الثلوج في القطب بمعدّلات غير طبيعية، وهذه المدن تتمتَّع بأهمية تجارية كبيرة، ويوجد فيها أكبر موانئ التصدير الصينية إلى العالم”.
ويُشير الأكاديمي المُقيم في بكين إلى أنّ “الصين أصبحت الآن مصنع العالم، ومعظم التجارة الدولية تمرّ عبر البحار، ولا تزال الولايات المتحدة تُسيطر على طُرق التجارة الدولية وتؤمِّن سلامتها، فباتت بكين تخشى قيام أمريكا بإغلاق تلك الطّرق في وجه تجارتها؛ لذا فقد كانت مبادرتها ’الحزام والطريق’ التي جعلت مصالحها متشابكة مع أكثر مِن 150 دولةً في العالم”.
المقارنة العسكرية
ويختتم المحللان حديثهما لـ”الوئام”، بالتوافق بشأن أنّه “رغم أنّ أمريكا تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في العالم ويتزعّم ’الناتو’ أكبر كيان يضمّ دولا قوية، فإنَّ التفوّق العسكري في القطب الشمالي يصبّ لصالح روسيا، إذ تمتلك موسكو ثُلث المرافق العسكرية المُخصَّصة في القطب الشمالي، أكثر مِن حلف شمال الأطلسي، وفقا لبيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كما أنَّ الغرب يحتاج إلى ما لا يقل عن 10 أعوامٍ للحاق بالجيش الروسي في المنطقة، إذا اختار فعل ذلك”.

