في المناظرة الأخيرة مع منافسه السابق جو بايدن، بدا الجمهوري دونالد ترامب متماسكًا يدير المنافسة بينه وبين الرئيس الحالي كما يريد، حتى أجبره في النهاية، مع عديد من السقطات، إلى إعلان انسحابه من السباق الانتخابي، لتحل محله نائبته كامالا هاريس، والتي نجحت في مناظرته الأولى مساء الثلاثاء (فجر الأربعاء بتوقيت السعودية)، في إذاقة ترامب جرعة مكثفة من الاستفزاز والهجوم، الذي أظهرها أقوى بكثير من رجل لطالما عُرف بقدرته على إثارة استفزاز منافسيه.
هذا التحول رصدته شبكة “سي إن إن” الأمريكية في تحليل مفصل للمناظرة الرئاسية الأولى – وربما الأخيرة – التي جمعت بين هاريس وترامب، فذكرت أنه على مدار ساعة و45 دقيقة تقريبًا، استغلت هاريس معظم الوقت في استفزاز ترامب، الذي ظهر مدافعًا عن نفسه في موقع الرد على كل تعليق تقريبًا. وهو ما أظهر استعداد هاريس الجيد للمناظرة، حيث حرصت على أن يتضمن كل رد منها تعليقًا يثير غضب ترامب، فاستخدمت جملًا مثل “قادة العالم يسخرون منه” و”القادة العسكريين وصفوه بأنه عار”. كما وصفت ترامب بأنه “ضعيف” و”مخطئ”، وذكرت أن 81 مليون ناخب – الذين صوتوا لصالح الرئيس الحالي جو بايدن في 2020 – قد “طردوه” خارج البيت الأبيض بنتائج الانتخابات الأخيرة أمام بايدن. وأضافت: “من الواضح أنه يواجه صعوبة في تقبل هذا الأمر”.

ترامب يكرر الأكاذيب ويتبنى نظريات المؤامرة
أثناء المناظرة، ظهر ترامب في بعض الأحيان فاقدًا للسيطرة على نفسه، حيث أصر بصوت عالٍ وكرر مجموعة من الأكاذيب، التي كان من بينها زعمه بوجود تزوير واسع في انتخابات 2020.
كما ردد نظرية مؤامرة عن مهاجرين يأكلون الحيوانات الأليفة، وادعى كذبًا أن الديمقراطيين يدعمون الإجهاض بعد ولادة الأطفال – وهو ما وصفته “سي إن إن” بأنه جريمة قتل وغير قانوني في كل مكان.
كذلك، قدم ترامب صورة قاتمة عن الولايات المتحدة، شبيهة بتلك التي حذر منها في خطاب تنصيبه عام 2017، قائلًا: “لدينا أمة تموت”.
هاريس تحدد نبرة المناظرة بمصافحة غبر متوقعة
عندما دخلت هاريس وترامب المسرح في فيلادلفيا، كانت هذه المرة الأولى التي يلتقيان فيها شخصيًا، حيث كان ترامب قد غاب عن حفل تنصيب بايدن. في هذه اللحظة، سارعت هاريس بتحديد النبرة بإقدامها على المشي عبر المسافة التي تفصلها عن منصة ترامب ومد يدها للمصافحة، قائلة: “دعونا نخوض مناظرة جيدة”. ورد ترامب قائلًا: “سعيد برؤيتك”.
كانت هذه أول مصافحة في مناظرة رئاسية منذ مناظرة ترامب مع هيلاري كلينتون عام 2016، عندما اقترب ترامب بشكل غير مريح من كلينتون خلال المناظرة.
أثناء حديث هاريس، كان ترامب عادة ما ينظر إلى الأمام، بينما كانت هاريس تتواصل من خلال تعابير وجهها، فضحكت أحيانًا على تعليقات ترامب، وابتسمت باستهزاء في أحيان أخرى، وهزت رأسها في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى بدت مستغربة.
وعندما كرر ترامب شائعات غير مؤكدة حول مهاجرين من هايتي يخطفون ويأكلون الحيوانات الأليفة في أوهايو، ضحكت هاريس باستهزاء وهي تشير إليه بيدها.
في مناظرة هاريس.. ترامب يروج لنظريات المؤامرة
تقول “سي إن إن” إنه رغم إشارات “هاريس” وتصحيح معلومات ترامب في أكثر من مناسبة، لم يتجنب الرئيس السابق تكرار نظريات المؤامرة خلال المناظرة.
عل سبيل المثال، حينما صحح له مذيع ABC الذي يدير المناظرة ديفيد موير معلوماته بأن سلطات أوهايو نفت معلومة أن المهاجرين يأكلون الحيوانات الأليفة الخاصة بالأمريكيين، أصر ترامب قائلاً: “الناس في التلفزيون يقولون ذلك”، وعندما استمر الضغط عليه، قال ببساطة: “سوف نكتشف”.
للاطلاع على تغطية “الوئام” للمناظرة.. اضغط هنا
وعندما تحول الحديث إلى الجريمة، ادعى ترامب أن معدل الجريمة في الولايات المتحدة ارتفع، على عكس بقية العالم. ورد عليه “موير” أيضًا بالإشارة إلى أن بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أظهرت انخفاضًا في معدلات الجريمة خلال السنوات الأخيرة. ولكن ترامب لجأ مرة أخرى إلى نظرية المؤامرة بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي فاسد ويصدر “بيانات مخادعة”.
وفي وقت لاحق من المناظرة، زعم ترامب أن الانتخابات الأمريكية “في حالة فوضى”، وادعى أن الديمقراطيين يحاولون السماح للمهاجرين غير الشرعيين بالتصويت في الانتخابات. وأضاف: “لدينا أمة تموت”.
كيف رد ترامب وهاريس على قضية الإجهاض؟
أيضًا، كان النقاش حول الإجهاض من أبرز اللحظات التي أظهرت الفروق بين أداء بايدن في المناظرة التي جرت في يونيو، وأداء هاريس يوم الثلاثاء.
كانت هاريس، التي تعد من أقوى المدافعين عن حقوق المرأة في الإدارة، قادرة على الرد على ترامب بشكل قوي في ما يتعلق بسياسة الإجهاض، وهو ما لم يفعله بايدن.
ترامب، الذي عيّن ثلاثة من قضاة المحكمة العليا الذين ألغوا الحماية الفيدرالية للإجهاض، حاول التخفيف من موقفه من خلال انتقاد حظر الإجهاض في ستة أسابيع، وتأكيده على دعمه للاستثناءات في حالات الاغتصاب أو زنا المحارم أو لحماية حياة الأم. ولكنه أيضًا دافع عن إلغاء قرار “رو ضد ويد” (حق الإجهاض).

وكرر الرئيس السابق العديد من الحجج التي طرحها حول الإجهاض في مناظرته مع بايدن في يونيو. وزعم أن “الجميع” أرادوا إعادة القضية إلى الولايات، رغم المعارضة الواسعة من الديمقراطيين وبعض المستقلين. كما أشار بشكل غير دقيق، وفق توصيف “سي إن إن”، إلى أن حاكم ولاية فرجينيا السابق قال إن الأطفال يجب أن يُعدَموا – في إشارة إلى تصريحات الدكتور رالف نورثام، حاكم ولاية فرجينيا الديمقراطي السابق، حول الرعاية الطبية للأطفال الذين يولدون بعد حمل غير قابل للحياة.
وكرر ترامب الادعاء بأن بعض الولايات تسمح بالإجهاض بعد ولادة الطفل، وهو ما دفع شبكة ABC إلى تصحيح المعلومات، حيث قالت لينسي ديفيس من ABC: “لا توجد ولاية في هذا البلد تسمح بقتل طفل بعد ولادته”.
وردت كامالا هاريس بالتركيز على الحالات التي لم تتمكن فيها النساء من الحصول على الرعاية اللازمة بعد تعرضهن للاغتصاب أو الإجهاض. وأضافت: “هل تريدون أن نتحدث عما يريده الناس؟ النساء الحوامل اللاتي يعانين من إجهاض ولا يحصلن على الرعاية اللازمة لأن مقدمي الرعاية الصحية يخافون من الذهاب إلى السجن”.
مناظرة هاريس.. ترامب يقع في الفخ مرة تلو أخرى
دخلت هاريس المناظرة بخطة واضحة: إرباك ترامب وإخراجه عن مساره. وبالفعل، نجحت في ذلك بشكل لافت، عندما ذكرت قضايا ترامب القانونية والإدانة التي تلقاها، حيث سارع ترامب بالرد. ثم عادت وانتقدت مساعيه في إفشال مشروع قانون الهجرة المشترك بين الحزبين، فكان رد فعله أشد.
وعندما أشارت “هاريس” إلى أن تجمعاته الانتخابية أصبحت مملة، كاد ترامب أن يفقد تماسكه، حيث انفعل بشدة. وبدلًا من التفاعل مع القضايا التي أثيرت من قبل المذيعين، ركز “ترامب” على التباهي بجماهيريته وتحدث مطولًا عن قيمة تجمعاته الانتخابية، بل وكرر نظرياته حول أكل المهاجرين للحيوانات الأليفة.

في مناظرة هاريس.. ترامب يهتم بنفسه فقط
في سعيها لتعريف نفسها للناخبين، حرصت هاريس على رسم صورة المدافعة عن الطبقة المتوسطة، بينما صورت ترامب على أنه شخص يهتم بمصالحه الشخصية فقط.
وقالت “هاريس” في ردها على سؤال حول الاقتصاد: “دونالد ترامب ليس لديه خطة لكم”، موجهة حديثها مباشرة للكاميرا في محاولة للوصول إلى الناخبين. بينما استعرضت رؤيتها الاقتصادية، والتي تشمل تخفيضات ضريبية للأسر، وحوافز ضريبية للشركات الصغيرة،
وأكدت أن ترامب سيستمر في تقديم تخفيضات ضريبية للأثرياء والشركات الكبرى. واختتمت بـ “ترامب لا يهتم بكم، لأنه أكثر اهتمامًا بالدفاع عن نفسه”، فيما ختم الرجل كلمته باستكمال الهجوم على “هاريس” و”بايدن”، وهو أمر يبدو أنه فقد بريقه أمام قطاعات عريضة من الأمريكيين.

