الوئام- خاص
انتقلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا من أوروبا إلى قلب القارة السمراء، لتستعر وتيرة صراع النفوذ الغربي الروسي، ومؤخرا الأوكراني في تلك المنطقة.
في أحدث تطور للصراع في منطقة الصحراء الكبرى بأفريقيا، تكبد الجيش المالي أكبر هزيمة عسكرية له في معركة تينزواتن أو الطوارق، التي تقع بالقرب من الحدود الجزائرية.
أيادٍ أوكرانية
وفقا لصحيفة “لوموند” الفرنسية، فإن مجموعة الطوارق في شمال مالي تتصل بأوكرانيا منذ نوفمبر 2023، لتعزيز وحداتها المسلحة المشاركة في اشتباكات قتالية مع الجيش المالي.
وتهتم “الطوارق” بتلقي طائرات استطلاع وهجوم مدمجة دون طيار من كييف، ويُجري المدربون الأوكرانيون تدريبات لمقاتلي الطوارق في مالي (في منطقة تاوديني)، وكذلك في أوكرانيا.
وفي السياق، يقول حسام الحداد، الباحث في شؤون حركات الإرهاب وغرب أفريقيا، إن التقارير الأخيرة حول الصراع في دول الساحل، تحمل أبعادا جيوسياسية معقدة، ترتبط بتعزيز العلاقات بين الطوارق شمال مالي وأوكرانيا، مضيفا أن هذا التعاون يشير إلى نيّات أوكرانية واضحة لدعم المتمردين الطوارق الذين يطالبون بدولة مستقلة، عبر تزويدهم بمعدات عسكرية متطورة وتدريبات عسكرية، فهذه التحركات تثير تساؤلات عميقة حول الأهداف الحقيقية لكييف في المنطقة الأفريقية ودورها في إعادة تشكيل موازين القوى هناك.
مسرح ضغط
ويوضح حسام الحداد، في حديث خاص لـ”الوئام”، أنه من الواضح أن كييف تسعى لاستخدام شمال مالي كمسرح للضغط على النفوذ الروسي في أفريقيا، فمنذ تدخل روسيا في أوكرانيا، تحاول كييف استغلال أي فرصة لتوسيع دائرة التأثير المناهض لموسكو.
الباحث في شؤون حركات الإرهاب يذكر أن دعم الطوارق، الذين ينخرطون في اشتباكات مع الجيش المالي المدعوم من روسيا، يبدو محاولة لاستنزاف القدرات الروسية على جبهات متعددة، مما يضع موسكو أمام تحديات مزدوجة، ومع ذلك، تثير هذه الخطوة مخاوف من أن تصبح مالي مسرحا لصراع بالوكالة، يدفع فيه السكان المحليون ثمن هذه الحسابات الدولية.

ويتابع الحداد: “يثير الدعم الإعلامي الفرنسي للطوارق، وفق ما جاء في عدد من التقارير، تساؤلات حول مدى تورط باريس في هذا النزاع. بينما يبدو أن فرنسا تنأى بنفسها رسميا عن التدخل المباشر، فإن منحها مساحة للطوارق في وسائل الإعلام الرئيسية، مثل ’فرانس 24’، يعكس دعما غير مباشر لمطالب الانفصال، وقد يكون هذا جزءا من محاولة فرنسية لاستعادة نفوذها التقليدي في المنطقة بعد تقلصه لصالح قوى أخرى، كروسيا وتركيا، ومع ذلك، فإن مثل هذا الدور يعرض فرنسا لاتهامات بازدواجية المعايير، إذ تعارض انفصال بعض المناطق في أوروبا، بينما تتغاضى عن مثيله في أفريقيا”.
نقاط عبور للأسلحة
ويشير باحث سياسي إلى أن استخدام موريتانيا ومولدوفا كنقاط عبور للأسلحة والدعم اللوجستي يبيّن أن هذا الصراع يتجاوز كونه إقليميا، واختيار هذه الدول لا يخلو من دلالات جيوسياسية، فموريتانيا تُعد بوابة لوجستية مهمة في غرب أفريقيا، بينما توفر مولدوفا طريقا آمنا خارج نطاق الرقابة الروسية، وهذا الاستخدام المزدوج يعكس تعقيد الصراع وتعدد أطرافه، ويكشف عن مستوى عالٍ من التخطيط الذي قد يؤدي إلى تصعيد التوترات الإقليمية.
ويختتم الحداد حديثه مستطردا: “يعيد الدعم الأوكراني للطوارق تسليط الضوء على قضية الحركات الانفصالية في أفريقيا، بينما يرى البعض أن دعم كييف للطوارق يعكس استراتيجية شرعية لاستنزاف موسكو، إذ إن العواقب على السكان المحليين قد تكون كارثية، فإشعال الصراع في مالي يهدد بانهيار الدولة وزيادة التوترات العرقية والإثنية، ما يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الأجنبية واستغلال الموارد الطبيعية للبلاد.
وأخيرا يشكل الدعم الأوكراني للطوارق تطورا خطيرا، يعكس تعقيد العلاقات الدولية في أفريقيا، ومع ازدياد الأطراف المنخرطة في هذا الصراع، يصبح مستقبل مالي أكثر ضبابية، والمطلوب الآن هو نهج دولي أكثر توازنا، يدعم السلام والتنمية، بدلا من استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى.

