تعرف نظرية المحاكاة بأنها “فرضية نظرية” تشير إلى أن ما نعتبره واقعًا قد يكون في الحقيقة محاكاة متقدمة للغاية يتم تشغيلها بواسطة كمبيوتر، وربما يشرف عليها كائن أعلى، بحسب ما نقلته منصة BuiltIn التكنولوجية.
قد يبدو هذا مشابهًا لقصة فيلم “ذا ماتريكس” الذي صدر في 1999، كما أشار “ساينتيفيك أمريكان”، إلا أن “الفلاسفة والفيزيائيين والتقنيين، وحتى الكوميديين” بدأوا يتناولون فكرة “أن واقعنا هو محاكاة” منذ أن طرح الفيلسوف في جامعة أكسفورد نظرية في ورقة علمية في عام 2003.
وفقًا لإحدى الدراسات، التي استخدمت الاستدلال البيزي في حساباتها، تشير الاحتمالات إلى أن نسبة أننا نعيش في “الواقع الأساسي” وليس في محاكاة قد تكون “50-50”.
منشأ نظرية المحاكاة
تعود فكرة أن فهمنا لـ”الواقع” محدود إلى جذور عميقة في التقليد الفلسفي الغربي والشرقي، بدءًا من مثل الكهف لأفلاطون إلى حلم الفيلسوف تشوانغ تشو عن الفراشة. لكن التفاصيل المتعلقة بنظرية المحاكاة ظهرت لأول مرة من خلال الورقة العلمية التي كتبها الفيلسوف نيك بوستروم، الذي يترأس حاليًا معهد أكسفورد لمستقبل الإنسانية.
حملت الورقة عنوان “هل تعيش في محاكاة كمبيوتر؟”، وناقش فيها بوستروم أن الأجيال المستقبلية قد تمتلك أجهزة كمبيوتر ضخمة قادرة على تشغيل محاكاة مفصلة عن أسلافهم. وأوضح بوستروم أن الاحتمال الأكبر هو أننا قد نكون جزءًا من تلك المحاكاة وأننا قد نكون “عقولًا محاكاة” بدلاً من أن نكون من الكائنات البيولوجية الأصلية.
منذ ذلك الحين، تطورت هذه الفكرة بشكل أكبر، حيث قام الفيلسوف ديفيد تشالمرز من جامعة نيويورك بتوسيع النظرية ووصف الكائن المسؤول عن هذه المحاكاة بأنه “مبرمج في الكون الأعلى”. وقال: “قد يكون مجرد مراهق”، مضيفًا “أنه ربما يقوم باختراق جهاز كمبيوتر ويشغل خمسة أكوان في الخلفية”.
دعم من شخصيات مرموقة
اليوم، أصبحت نظرية المحاكاة تحظى بشعبية كبيرة بين الفلاسفة وبعض العلماء، حيث يعتبر إيلون ماسك، مالك شركات “سبيس إكس” و”تيسلا” و”إكس”، من أبرز الداعمين لها. وقد صرح ماسك مرارًا أن الاحتمالات بأننا نعيش في “الواقع الأساسي” (أي الكون الفيزيائي) هي بمعدل مليارات إلى واحد.
وفي نهاية عام 2021، علق ماسك على تغريدة تتعلق بذكرى لعبة “بونغ” الشهيرة من عام 1972، قائلاً: “بعد 49 عامًا، أصبحت الألعاب عوالم ثلاثية الأبعاد واقعية. ماذا يعني استمرار هذا الاتجاه بالنسبة لواقعنا؟”.
وقد أيد العديد من العلماء والفلاسفة نظرية المحاكاة، ومنهم نيل ديغراس تايسون، مدير “هايدن بلانيتاريوم” في نيويورك، الذي عبر عن دعمه لهذا الطرح، مما أضاف مزيدًا من المصداقية للموضوع.
هل هناك دليل يدعم النظرية؟
من بين الأدلة التي يستشهد بها المؤيدون لنظرية المحاكاة، أبحاث الدكتور ميلفين فوبسون، من جامعة بورتسموث، في مجال فيزياء المعلومات، التي تشير إلى أن الواقع الفيزيائي يتكون من قطع من المعلومات. ووفقًا لما نشرته “إنداي 100″، اقترح فوبسون في أبحاثه السابقة أن “جميع الجسيمات الأولية” (أصغر الوحدات المعروفة في الكون) تخزن معلومات عن نفسها، على غرار الحمض النووي لدى البشر.
وفي ورقة بحثية نُشرت عام 2023، ادعى فوبسون أن انخفاض الإنتروبيا في أنظمة المعلومات مع مرور الوقت قد يثبت أن الكون يحتوي على “تحسين البيانات وضغطها”، وهو ما يشير إلى طبيعته الرقمية.
على الرغم من أن هذه الادعاءات تتطلب “اختبارات إضافية ومراجعة قبل أن تُعتبر قابلة للتصديق”، بحسب ما ذكره دارين أورف في “بوبولار ميكانيكس”، إلا أن الباحثين لا يزالون يواجهون صعوبة في تقديم إثباتات قاطعة تؤكد أو تنفي وجود محاكاة.
تظل نظرية المحاكاة مسألة مفتوحة، ولا يزال السؤال الفلسفي الذي طرحه أفلاطون حول “طبيعة الواقع” بحاجة إلى المزيد من الإجابات.

