الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
عندما نتحدث عن الإعلام في سياقه التاريخي والمعاصر، نرى تقاطعًا واضحًا بين أدوات السيطرة على الرأي العام والسياسات الكبرى التي توجه السرديات الإعلامية. إذا كانت عملية موكينجبيرد في الماضي نموذجًا لاستغلال الإعلام من قبل الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب الباردة، فإن الإعلام الغربي اليوم يقدم نموذجًا جديدًا، وإن كان مشابهًا في جوهره، في كيفية التلاعب بالحقائق وتوجيه الرأي العام، خاصة فيما يتعلق بالصراعات في الشرق الأوسط.
من موكينجبيرد إلى الإعلام الحديث: تغيير الأسلوب، ثبات الهدف
في أواخر الأربعينيات، ركزت “موكينجبيرد” على توظيف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية لنشر روايات تخدم الأجندة الأمريكية. اليوم، تغيرت الأدوات، لكن الهدف بقي واحدًا: خلق رواية عالمية تنسجم مع المصالح الغربية. فما نشهده في الإعلام الغربي تجاه القضية الفلسطينية، وخاصة في العدوان على غزة، يُظهر استمرار السيطرة على وسائل الإعلام، لكن بأساليب أكثر تعقيدًا وعمقًا.
الإعلام الغربي وجريمة غزة: التحيز المكشوف
في كل مرة يتعرض فيها قطاع غزة لعدوان عسكري إسرائيلي، تظهر طريقة الإعلام الغربي في التعامل مع هذا الحدث كدليل على التحيز السياسي. تتكرر الرواية نفسها: التركيز على “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، مع تغييب شبه كامل لحقوق الفلسطينيين. تُستخدم المصطلحات بعناية؛ فالضحايا الفلسطينيون يصبحون مجرد “أرقام”، بينما يتم تضخيم أي ضرر يُصيب الجانب الإسرائيلي.
على سبيل المثال، في العدوان الأخير على غزة، قُتل مئات الأطفال ودُمرت منازل على رؤوس ساكنيها، ومع ذلك ركز الإعلام الغربي على قضايا مثل “رد المقاومة الفلسطينية” أو “المخاطر الأمنية لإسرائيل”، متجاهلاً الطبيعة الإجرامية للعدوان الإسرائيلي.
أين الشفافية والنزاهة؟
الإعلام الغربي يدّعي الحرية والشفافية، ولكنه في الواقع يخضع لمصالح سياسية واقتصادية. تمتلك حكومات وشركات كبرى تأثيرًا مباشرًا على سردية الأخبار، مما يجعل الحقيقة رهينة لأولويات هذه القوى. هذا التحيز لا يقتصر على القضية الفلسطينية فقط؛ بل يمتد إلى تغطية الصراعات في اليمن، سوريا، والعراق، حيث يُعتمَد على اختزال الأحداث في “رواية رسمية” تخدم مصالح القوى الكبرى.
الدروس من موكينجبيرد: هل انتهى التلاعب؟
عملية موكينجبيرد قدمت لنا نموذجًا واضحًا عن كيفية السيطرة على الإعلام. واليوم، تبدو هذه السيطرة مستمرة بأساليب أكثر تطورًا. فالإعلام الحديث يعتمد على استراتيجيات التضليل الخفي، مثل التركيز على موضوعات سطحية لتشتيت الانتباه عن الجرائم الكبرى، أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لترويج روايات مضللة.
في السياق الفلسطيني، تُعد قضية غزة مثالًا حيًا على هذا التلاعب. يتم تبرير الجرائم تحت غطاء “الأمن”، بينما تُصور المقاومة الفلسطينية على أنها “إرهاب”. هذه الروايات المدروسة لا تهدف فقط إلى تضليل الجمهور الغربي، بل تسعى أيضًا إلى خلق فجوة في التعاطف الإنساني مع الشعب الفلسطيني.
الإعلام في الدول الغربية: بين الحرية والتسييس
ما يُميز الإعلام الغربي أنه يمتلك القدرة على التلاعب بالمصطلحات والأحداث بطريقة تُظهره على أنه محايد. ولكن عند النظر بعمق، نجد أنه يخدم مصالح سياسية واضحة. فمثلاً، في تغطية الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان، تم استخدام الإعلام لتبرير التدخل العسكري من خلال التركيز على قضايا مثل “الأسلحة الكيميائية” أو “حقوق الإنسان”، بينما تم التغاضي عن الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين.
الإعلام العربي: فرصة للتميز أم استمرار للضعف؟
في مقابل التحيز الغربي، يُعد الإعلام العربي في موقف صعب. فعلى الرغم من وجود منصات قوية قادرة على تقديم رواية مغايرة، إلا أنها تواجه تحديات مثل الضغط السياسي وضعف الموارد. ومع ذلك، يبقى الدور العربي مهمًا في فضح التحيز الغربي وكشف الجرائم التي يتم التستر عليها.
ختامًا: هل نحن بحاجة إلى إعلام جديد؟
الإجابة واضحة: نعم. العالم بحاجة إلى إعلام حر ونزيه لا يخضع للمصالح السياسية أو الاقتصادية. القضية الفلسطينية مثال صارخ على أهمية هذا النوع من الإعلام، حيث يجب أن تُقدم الرواية كاملة بكل أبعادها، لا أن تُختزل في سياقات منحازة.
إذا كانت موكينجبيرد قد أظهرت لنا كيف يمكن للإعلام أن يتحول إلى أداة للسيطرة، فإن التغطية الغربية للعدوان على غزة تذكرنا بأن هذا التلاعب لا يزال قائمًا، وإن تغيرت أشكاله. السؤال الآن: هل يمكننا كعرب ومسلمين أن نطور إعلامًا قادرًا على مواجهة هذا التحدي؟ الإجابة تبدأ من إدراك أهمية الإعلام في تشكيل الوعي، والعمل على بناء مؤسسات إعلامية تضع الحقيقة أولاً.

