منار بنت سالم العنبر
باحثة دكتوراة في علم الاجتماع بجامعة الملك سعود
الإعلام الجديد أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث أحدث نقلة نوعية في طريقة التفاعل بين الناس. وفي المملكة العربية السعودية، التي تعيش تحولاً اجتماعياً واقتصادياً في ظل رؤية ٢٠٣٠، يمثل الإعلام الجديد مثل وسائل التواصل الاجتماعي والبث الرقمي، عاملاً مؤثرًا في العلاقة بين الأجيال. ومع التطور التكنولوجي المتسارع، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت هذه الوسائل تسهم في تضييق الفجوة بين الأجيال أم تزيدها عمقًا.
تتميز وسائل الإعلام الجديد بقدرتها على تعزيز الحوار المفتوح بين الأجيال، حيث تتيح تبادل الأفكار والخبرات. الجيل الأكبر يشارك تجاربه ومعارفه مع الشباب عبر المنصات الرقمية، في حين يعبر الشباب عن رؤيتهم المستقبلية وطموحاتهم. على سبيل المثال، بدأ العديد من كبار السن في استخدام هذه المنصات لنقل قصصهم وتجاربهم الحياتية، مما يعزز استمرارية التراث الثقافي.
ورغم ذلك، هناك اختلاف واضح في أنماط استخدام الإعلام الجديد بين الأجيال. فوفقًا لمؤشرات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية ٢٠٢٣، يميل الشباب إلى استخدام منصات مثل سناب شات التي تقدم محتوى سريعاً وبصرياً بنسبة تصل إلى ٩٣٪ مقارنة بـ ٤٣٪ وأقل بين كبار السن، بينما يفضل كبار السن الواتساب أكثر من غيره. كما يستخدم الشباب مصطلحات ورموزًا يصعب على الأجيال الأكبر فهمها، ما يعزز التباين في المحتوى ولغة الحوار.
بالإضافة إلى ذلك قد يواجه بعض كبار السن صعوبة في استخدام هذه الوسائل بسبب نقص المهارات التقنية، مما يؤدي إلى عزلتهم الرقمية ويزيد من الفجوة بين الأجيال. ومع ذلك، يمكن معالجة هذا التحدي من خلال مزيد من المبادرات التي تهدف إلى تعزيز التعليم الرقمي لكبار السن، ومن أمثلة ذلك مبادرة “التقنية للكل” التي أطلقتها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، حيث تقدم معلومات أساسية لاستخدام أهم التطبيقات التقنية بسهولة. مما يسهم في تمكين كبار السن وتقليص الفجوة الرقمية.
وفي المجتمع السعودي قد ساعدت وسائل الإعلام الجديد على تقريب وجهات النظر بين الأجيال في مواقف معينة، مثل جائحة كورونا، فقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في الحفاظ على التواصل بين أفراد الأسرة الممتدة ونشر التوعية الصحية. كما استخدمت العديد من العائلات المنصات الرقمية للاحتفال بالمناسبات الاجتماعية عن بُعد، مما ساعد على تعزيز الروابط الأسرية بالرغم من التباعد الجسدي. ومع ذلك، فإن الاستخدام المفرط لوسائل الإعلام الجديد من قبل بعض الفئات العمرية أدى إلى تراجع التفاعل الشخصي داخل الأسرة، مما يشكل تحدياً يحتاج إلى توازن في استخدام هذه الوسائل.
الإعلام الجديد يمثل تحديًا وفرصة في آنٍ واحد، فهو يملك القدرة على بناء جسور الحوار والتفاهم بين الأجيال، ولكنه قد يؤدي إلى زيادة الفجوات. ويبقى تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والتفاعل الإنساني المباشر هو المفتاح لضمان مجتمع متماسك وحيوي، خاصة في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها المجتمع السعودي ضمن رؤية ٢٠٣٠.

