فيصل الحمد خبير استراتيجي وعسكري
في الأيام الأخيرة من العام الماضي، ظهر أحمد الشرع “ابو محمد الجولاني” في أول مقابلة إعلامية له عبر قناة العربية، كاشفاً عن توجهات واضحة تؤكد رغبة دمشق في تعزيز هويتها العربية والتقارب مع الرياض. هذه الرسائل السياسية تحمل دلالات عميقة، وتشير إلى إعادة صياغة للسياسات الخارجية السورية. مما يطرح تساؤلًا مهمًا: لماذا الرياض؟
تلقى وزير الخارجية السوري دعوة رسمية من سمو وزير الخارجية السعودي، أظهرت رغبة حقيقية في بدء صفحة جديدة من العلاقات الثنائية. وقد جاءت اجابة هذه الدعوة مدعومة بتحرك رسمي بارز، حيث وصل الوزير السوري إلى الرياض في أول أيام العام الجديد 2025، يرافقه وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات السوري. هذه الزيارة الأولى من نوعها تحمل دلالات استراتيجية تُبرز رغبة دمشق في مد جسور التعاون مع السعودية.

المملكة العربية السعودية، بثقلها السياسي والاقتصادي والديني، تعد دولة فاعلة وركيزة أساسية في صياغة التوازنات الإقليمية، إضافة إلى ودورها المؤثر على الساحة الدولية. وتاريخها الحافل بمبادرات السلام والحرص على تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة دون التدخل في شؤون الدول الأخرى، مما يجعلها شريكاً استراتيجياً موثوقاً. يبرز ذلك من خلال جمع الفرقاء اللبنانيين في عام 1998، في مدينة الطائف وتوقيع وثيقة الوفاق الوطني “اتفاقية الطائف”. هذه المكانة تجعل الرياض وجهة أساسية للدول الساعية إلى تحقيق الاستقرار والتنمية، ومن بينها سوريا.
على الجانب الآخر، تبدو العلاقة بين سوريا وجيرانها الإقليميين أكثر تعقيدًا. فقد دعمت بعض الأطراف الإقليمية الفصائل المسلحة التي أسقطت نظام الأسد لتحقيق مصالح استراتيجية خاصة بها. ومع ذلك، لن تتمكن هذه الأطراف من فرض أجندة تخدم مصالحها بالكامل في سوريا، حيث إن الوضع الاقتصادي السوري وإعادة الإعمار ستكون عملية مكلفة تفوق قدراتها. هذا الواقع دفع القيادة السورية الجديدة إلى البحث عن شركاء من محيطها العربي ليكون أكثر توافقًا مع تطلعاتها واحتياجاتها الحالية.

التقارب مع الرياض لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها دمشق إلى الحصول على اعتراف عربي ودولي يعزز مكانتها. كما تسعى سوريا للاستفادة من التجربة السعودية التنموية، خاصة في إطار رؤية المملكة 2030، التي أصبحت نموذجاً عالمياً للتحديث الاقتصادي والاجتماعي. رؤية المملكة 2030 تحمل في جوهرها إصلاحات شاملة تتضمن تحديث للقوانين والأنظمة، ومكافحة الفساد، ومحاربة الإرهاب، إضافة إلى إطلاق مشاريع تنموية ضخمة. وتطمح دمشق إلى تبني نموذج مشابه يسهم في إعادة بناء سوريا على أسس عصرية، وبمساعدة سعودية.
لكن هذا المسار يتطلب من القيادة السورية التزامات واضحة وصادقة، تبدأ بتغيير سياساتها، والتوجه نحو بناء قيادة متزنة تسعى لتحقيق السلام الداخلي واحترام سيادة الدول المجاورة، ومحاربة الإرهاب، وتعزيز التعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوري، مع المحافظة على وحدة سوريا واستقلالها. الأهم، الابتعاد عن سياسات الاستقطاب وصراعات المحاور، والالتزام بتوازنات استراتيجية تعزز استقرارها وتكاملها مع محيطها العربي.

في الختام، يُمكن للتقارب بين دمشق والرياض أن يشكل نقطة تحول محورية في مستقبل سوريا، شريطة أن تبقى القيادة السورية ملتزمة بعمق بهذه العلاقة. فالتعاون مع الرياض، كحليف استراتيجي قوي، يمثل فرصة ذهبية لدمشق لإعادة بناء اقتصادها واستقرارها السياسي. المملكة، برؤيتها الطموحة وخبراتها التنموية، قادرة على أن تكون شريكاً أساسياً في مسيرة إعادة إعمار سوريا الحديثة وبناء مستقبلها السياسي والاقتصادي. ويبقى نجاح هذا التعاون مرهوناً بوفاء دمشق بتعهداتها، ليكون هذا التحالف نموذجاً يُحتذى به لتحقيق نهضة شاملة ومستدامة للمنطقة بأسرها.

