الدكتور سهيل دياب أستاذ العلوم السياسية والباحث في الشأن الإسرائيلي
يتم الحديث كثيرًا حول قضايا السلم والحرب، في العقود الثلاثة الأخيرة، بدءًا بانهيار الاتحاد السوفييتي، ووصولًا إلى حروب أوكرانيا وغزة، مرورًا بحروب العراق وسوريا ويوغوسلافيا وليبيا واليمن وغيرها الكثير من الصراعات. وجاءت هذه الحقبة تعبيرًا عن انتقال العالم من الحرب الباردة بين الشرق والغرب إلى عالم أحادي القطب بهيمنة كاملة للولايات المتحدة الأمريكية.
فـ”الحرب والسلم” مصطلح جدلي وعميق يحمل آراءً مختلفة حسب السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي.
فهناك آراء فلسفية، كانت وما زالت عبر التاريخ، تدعم فكرة الحروب معتمدة على: الدفاع عن النفس، الانتقام، تحقيق العدالة، أو من أجل التغيير السياسي.
وفي المقابل، هناك من الفلاسفة من يدعمون السلم لأسباب أخرى أهمها: الابتعاد عن الخسائر البشرية والاقتصادية، الإيمان بالحوار والتفاوض، اعتماد الأخلاقيات والقيم الإنسانية، أو السعي إلى الاستقرار والتنمية.
وهناك أيضًا من يقفون بين هذين الاتجاهين، ويؤمنون فلسفيًا بالتوازن، معتمدين على مقولات مثل: “نعمل الحرب لضرورة تحقيق السلام”، والسعي لما يسمى بـ”السلم الاستراتيجي” وتقاسم المصالح.
يقول المفكر الأمريكي الكبير من أصول يهودية، نعوم تشومسكي، في الحروب:
“الحروب تُشن غالبًا باسم الحرية، لكنها في الواقع تُشن لتحقيق الهيمنة والسيطرة”.
أما في السلم، فقد كان له قول بارز:
“السلام لا يتحقق بوقف الحرب، بل بإزالة الأسباب التي تؤدي إليها”.
وكثر هم الفلاسفة والمفكرون المعاصرون مثل إدوارد هيرمان وتشومسكي وإدوارد سعيد وغيرهم، الذين تعمقوا في تحليل أسباب الحروب، والتي يمكن إجمالها بثلاثة:
الجشع الاقتصادي: السعي للسيطرة على السلع والموارد.
الإمبريالية: محاولة الدول القوية بسط نفوذها على الدول الضعيفة والفقيرة.
الدعاية السياسية: تضليل الشعوب لجعل الحروب تبدو حتمية ووجودية.
في أدبياتنا العربية الحديثة، برزت بشكل كبير النظرة المحلية للحرب والسلم في السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي، خاصة في المشهد العربي والفلسطيني. وبرز شاعران وأديبان عظيمان، لامسا الفلسفة بقدر كبير:
الأول هو توفيق زيّاد، في قصيدته الشهيرة “شيء من الحرب”، حيث قال:
أكره سفك الدم وصفارات الإنذار
أكره هذا اللون الأزرق في ضوء السيارات
أكره أن تبكي أم أو زوجة
أن يتوجع طفل أو طفلة
أكره أن تسقط قنبلة فوق الطرقات
أو في ساحة بيت آمن
أكره كل حروب الدنيا
إلا حربًا واحدة أعطيها روح الروح وقلب القلب، وأعطيها صوتي ودمي وحياتي،
حربًا واحدة هي… حرب التحرير!
يحاول زيّاد أن يفرق بين حروب الدنيا كلها ومآسيها، وبين حرب تحقق الحرية والعدل للشعب المظلوم.
أما محمود درويش، فقد أبدع في قصيدته الشهيرة:
ستنتهي الحرب
ويتصافح القادة
وتبقى تلك العجوز
تنتظر ولدها الشهيد
وتلك الفتاة تنتظر
زوجها الحبيب
وأولئك الأطفال ينتظرون
والدهم البطل
لا أعلم من باع الوطن!
لكنني أعرف من دفع الثمن!!
سيستمر النقاش حول الحرب والسلم طويلًا… ففي إحدى تصريحاته، يقول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بعد دخوله البيت الأبيض:
“سأوقف الحروب وأجلب السلام في كل مكان!”
فيجيبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو:
“الحرب الحرب الحرب، حتى النصر المطلق”.

