تشهد العلاقات السعودية الألمانية نموًا متزايدًا في مختلف المجالات، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 7.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024.
وفي خطوة تعزز التعاون الصناعي، استحوذ صندوق “آرش المالية” السعودي على مصنع لإنتاج البوليمر المكثف في ألمانيا، كما تم توقيع عدة مذكرات تفاهم لدعم رؤية المملكة 2030، تشمل مجالات التحول الرقمي، وتوليد وقود الهيدروجين النظيف، والصناعات الكيميائية والهندسية.
يعود تاريخ العلاقات بين المملكة العربية السعودية وألمانيا إلى عام 1929، عندما وقع الملك عبدالعزيز اتفاقية صداقة مع ألمانيا. وبعد الحرب العالمية الثانية، أعادت المملكة علاقاتها مع ألمانيا عام 1954، ومنذ ذلك الحين، تطورت الشراكة بين البلدين في مختلف المجالات.
أسهم الحوار المستمر بين المملكة وألمانيا في تقارب وجهات النظر حول العديد من القضايا الثنائية والدولية، وشهدت العلاقات زيارات ولقاءات بارزة، من بينها لقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بالمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في 2019، والمكالمة الهاتفية بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والمستشار الألماني أولاف شولتس في أغسطس 2022، إضافة إلى اجتماعات وزارية عززت التعاون بين الجانبين.
في إطار التعاون السياسي، عُقدت جولة مشاورات سياسية في الرياض عام 2019 بين مسؤولين من البلدين، وشهدت السنوات الأخيرة زيارات متبادلة لوزراء الخارجية والداخلية لتعزيز التنسيق المشترك. كما يحرص البلدان على تطوير التعاون في جميع المجالات بما يخدم مصالحهما المشتركة ويدعم رؤية 2030.
اقتصاديًا، تُعد ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا والرابع عالميًا، بينما تُصنف المملكة كثاني أكبر شريك تجاري لألمانيا في العالم العربي بعد الإمارات. وتحتل المملكة المرتبة الثامنة والثلاثين كشريك تجاري لألمانيا، في حين أن ألمانيا هي رابع أكبر مورد للمملكة، مع تزايد حجم التبادل التجاري بين البلدين.
تشارك الشركات الألمانية في مشاريع رؤية 2030، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والطاقة والصحة. كما تأسست لجنة التعاون الاقتصادي والتقني بين البلدين عام 1977، وعقدت دورتها العشرين في برلين عام 2019، ويجري التحضير لعقد الدورة الـ 21 في الرياض، لمواصلة تعزيز التعاون في المجالات التجارية والاستثمارية والتقنية والصحية والطاقة.
تشمل الاستثمارات الألمانية في المملكة عدة قطاعات، حيث يوجد 4 مصانع ألمانية في المدن الصناعية السعودية، إضافة إلى 8 شركات ألمانية في مدن الهيئة الملكية للجبيل وينبع، باستثمارات تتجاوز 310 ملايين دولار. كما يسهم الصندوق الصناعي السعودي بتمويل مشاريع مشتركة مع ألمانيا بقيمة تتجاوز مليار دولار.
في قطاع الطاقة، وقعت المملكة وألمانيا مذكرة تعاون حول الهيدروجين في 2021، تهدف إلى تطوير التقنيات المتعلقة بإنتاجه وتخزينه، وتعزيز الشراكة في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة. كما تسعى المملكة للاستفادة من الخبرات الألمانية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، وتقليل الانبعاثات وتعزيز كفاءة الإنتاج.
على الصعيد المعرفي والثقافي، يدرس في ألمانيا أكثر من 670 طالبًا سعوديًا، معظمهم في التخصصات الصحية والهندسية. كما يتمتع معهد جوته الألماني في المملكة بعدد كبير من الطلاب الذين يدرسون اللغة الألمانية، فيما أصبحت الألمانية مونيكا ستاب أول مدربة للمنتخب السعودي النسائي لكرة القدم، في خطوة تعكس عمق التعاون الثقافي والرياضي بين البلدين.
يمثل التعاون السعودي الألماني نموذجًا للشراكات الاستراتيجية التي تجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة، ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي. ومع استمرار الحوارات الثنائية والمشاريع المشتركة، تزداد فرص تعزيز هذه العلاقة بما يخدم مصالح البلدين في المستقبل.

