لطالما شكلت الكويكبات تهديدًا محتملًا للحياة على الأرض، ولكن ماذا لو اصطدم كويكب بحجم مركز التجارة العالمي بكوكبنا؟ هذا هو السؤال الذي سعى العلماء للإجابة عنه عبر دراسة حديثة، حيث اعتمد الباحثون على نماذج محاكاة لكويكب “بينو”، الذي يُعتبر من بين أكثر الكويكبات القريبة خطرًا على الأرض وفقًا لوكالة الفضاء الأميركية “ناسا”.
كويكب بحجم مدمر
يبلغ قطر كويكب “بينو” حوالي 0.5 كيلومتر، ويزن نحو 67 مليون طن متري. ورغم أن حجمه أقل بكثير من الكويكب العملاق الذي تسبب في انقراض الديناصورات قبل 66 مليون عام، إلا أن تأثير اصطدامه سيكون مدمرًا.
يقول أكسل تيمرمان، الباحث المشارك في الدراسة ومدير مركز علوم المناخ في جامعة بوسان الوطنية في كوريا الجنوبية، إن الأضرار المباشرة ستكون هائلة في موقع الاصطدام، لكن التأثيرات طويلة الأمد على المناخ والنظم البيئية قد تكون أشد خطورة على المدى البعيد.
دمار فوري وموجات تسونامي
في اللحظات الأولى من الاصطدام، سيتسبب الكويكب في انفجار هائل يولد موجات صدمة عنيفة قادرة على تدمير كل شيء في نطاق مئات الكيلومترات من نقطة الاصطدام. كما ستؤدي الحرارة المنبعثة إلى إشعال الحرائق على نطاق واسع، بينما ستؤدي الطاقة الناتجة إلى زلازل قوية وأمواج تسونامي مدمرة، في حال كان الاصطدام في أحد المحيطات.

شتاء اصطدامي وانخفاض عالمي بالحرارة
لكن التأثير الأخطر لن يكون مباشرًا فقط، وفق ما ينقله موقع “لايف ساينس” عن العلماء الذين يشيرون إلى تأثير يمتد ليشمل المناخ العالمي. فوفقًا لمحاكاة العلماء، فإن الاصطدام سيؤدي إلى قذف مئات الملايين من الأطنان من الغبار إلى الغلاف الجوي، ما سيؤدي إلى حجب أشعة الشمس وانخفاض درجات الحرارة عالميًا بمقدار يصل إلى 4 درجات مئوية، في ظاهرة يصفها الباحثون بـ “شتاء اصطدامي”، حيث سيؤدي انخفاض الحرارة ونقص ضوء الشمس إلى تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة تصل إلى 30% عالميًا، مما قد يهدد الأمن الغذائي للبشرية.
انخفاض في معدلات الأمطار وتآكل طبقة الأوزون
وإضافة إلى التغير الحراري، ستشهد الأرض انخفاضًا في معدل هطول الأمطار بنسبة 15%، مما يزيد من خطر الجفاف في العديد من المناطق حول العالم. كما ستؤدي الجزيئات المنبعثة إلى ارتفاع درجة حرارة طبقة الستراتوسفير، ما يؤدي إلى تآكل طبقة الأوزون، وزيادة مستويات الأشعة فوق البنفسجية الضارة التي تصل إلى سطح الأرض.

من المتضرر ومن المستفيد؟
وفي حين أن معظم الكائنات الحية ستتضرر نتيجة التغيرات المناخية القاسية، إلا أن بعض الأنواع قد تستفيد. فوفقًا للدراسة، إذا كان الغبار الناتج عن الاصطدام غنيًا بعنصر الحديد، فإن بعض أنواع الطحالب البحرية قد تزدهر نتيجة زيادة المغذيات في المحيطات. لكن هذا النمو المفاجئ قد يخلّ بالتوازن البيئي، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في السلسلة الغذائية البحرية.
هل نحن في خطر؟
ورغم أن هذه السيناريوهات تبدو مرعبة، فإن احتمالية اصطدام “بينو” بالأرض ضئيلة جدًا، حيث تقدر “ناسا” أن فرصة وقوع الاصطدام في عام 2182 تبلغ 1 من 2700. ومع ذلك، فإن وكالات الفضاء تواصل دراسة الكويكب عن كثب.
في عام 2016، أرسلت “ناسا” مسبار “أوزيريس-ريكس” إلى “بينو” لجمع عينات من سطحه، وعادت هذه العينات إلى الأرض في 2023، لتكشف عن وجود مركبات عضوية أساسية للحياة، بما في ذلك عناصر تشكل الحمض النووي.
وتحرص وكالات الفضاء على تطوير استراتيجيات لحماية الأرض من الكويكبات الخطرة. ففي عام 2022، نجحت “ناسا” في تجربة تغيير مسار كويكب عبر مهمة “دارت”، التي استهدفت تحويل اتجاه الكويكب “ديمورفوس” عبر اصطدام متعمد بمركبة فضائية. هذه التجربة أثبتت أن من الممكن تقليل خطر الاصطدامات الكارثية عبر التدخل المبكر.

