سعود النداح
باحث دكتوراه في سياسات الرعاية الاجتماعية وإدارة المؤسسات، مستشار اجتماعي.
هناك سحرٌ غامض في الطريقة التي تتشكل بها الحياة، في تلك الانحرافات الصغيرة عن المسار، في الأبواب التي تغلق رغم أننا كنا نطرقها بكل شغف، في الفرص التي تفلت منا رغم ظنّنا أنها كانت لنا وحدنا. كل شيء يأتي حين ينضج، حين يكون مستعدًا ليكون كما يجب، لا كما كنا ننتظره. الحياة لا تُدار بتوقعاتنا، بل بمنطقها العميق الذي لا نراه إلا لاحقًا، حين نكتشف أن الأبواب المغلقة كانت ممرات إلى شيء أكبر، وأن القطار الذي فاتنا كان لينقلنا إلى وجهة لا تناسبنا.
قد يكون الخير في أن تخسر ما ظننت أنه لك، في أن تتجاوز محطة الوصول دون أن تنزل، في أن تركب القطار الخطأ فقط لتكتشف طريقًا لم يكن في حسبانك. نحن نتمسك بالممكن، بالمتوقع، بما يُفترض أن يكون، لكن الحياة أعقد من أن تُحاصر في منطق ثابت. هي أكثر غموضًا، أكثر اتساعًا، وأكثر جرأة على مفاجأتنا بما لم نضعه في حساباتنا.
لا أؤمن بالصدفة ولا بالخطأ، فكل الأشياء تمضي نحو غاية، مهما بدت عشوائية أو متشابكة. كل تفصيلة صغيرة تحمل في طياتها جزءًا من الصورة الكاملة، تلك الصورة التي لا نراها ونحن في خضم التجربة، لكننا ندركها عندما نبتعد قليلًا وننظر إلى حياتنا من منظور أوسع. هناك ترتيب دقيق خلف كل ما يحدث، في الجزئيات التي تبدو غير مترابطة، في الفوضى التي نخشاها، في اللحظات التي نظنها عبثية لكنها تحمل في طياتها حكمة لم تنكشف بعد.
لكن كما أن الحياة غير متوقعة، كن أنت أيضًا كذلك. لا تكن مجرد متلقٍ للأحداث، بل كن مفاجأة بنفسك، تطور، تغير، تجاوز نفسك السابقة، وكن مستعدًا لكل مرحلة بشخصية لم يعرفها العالم بعد. لا تنتظر أن تأتي الأشياء كما خططت لها، بل كن جاهزًا لاستقبالها كما تريد هي أن تأتي. لأن الحقيقة الأجمل هي أن الحياة لا تكافئ من ينتظرها، بل من يصنع ذاته في كل مرحلة من جديد.

