اللواء (م) عبد الهادي العمري
عضو مجلس الشورى سابقاً
لقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – برؤيته الثاقبة وإدراكه العميق لتاريخ المملكة العربية السعودية، يعي أهمية ترسيخ اللحظات التاريخية العظيمة في وجدان الأجيال القادمة. فقد امتلك منذ توليه إمارة الرياض معرفة واسعة بتاريخ القبائل والعائلات والأفراد في مختلف أنحاء المملكة، سواء في الحاضرة أو البادية، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. كانت لديه رؤية واضحة لأهمية توثيق يوم تاريخي يحمل رمزية رفع الراية السعودية لأول مرة في الدرعية، ليكون مناسبة وطنية تحتفي بها الأجيال القادمة.
وبناءً على هذا الإدراك العميق، أصدر الملك سلمان الأمر الملكي الكريم بجعل يوم 22 فبراير من كل عام “يوم التأسيس”، ليكون رمزًا للعمق التاريخي والحضاري والثقافي للمملكة، مستذكرًا اليوم الذي تولى فيه الإمام محمد بن سعود حكم الدرعية عام 1139هـ (1727م)، مؤسسًا بذلك الدولة السعودية الأولى، التي كانت نقطة الانطلاق نحو بناء وطن قوي، بات اليوم مؤثرًا في القرار العالمي على جميع الأصعدة.
التاريخ السعودي: ملحمة صمود وإنجاز
إن تأصيل تاريخ الدولة السعودية الأولى يمنحنا دروسًا بالغة الأهمية لفهم ما نحن عليه اليوم، فقد خاض قادة المملكة معارك مصيرية ضد الأطماع الخارجية والتحديات الداخلية، في وقت كانت فيه الموارد محدودة، والأخطار تحيط بهم من كل جانب. ومع ذلك، استطاعوا بناء دولة قوية ذات نفوذ، انطلقت من إمارة الدرعية بفضل حنكة الإمام محمد بن سعود وولاء رجاله الأوفياء.
لقد أدرك خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – أن معرفة هذا التاريخ العريق ستعزز الولاء والانتماء، وتغرس الاعتزاز بالوحدة الوطنية، فالملوك السعوديون على مدى ثلاثة قرون كانوا جزءًا من شعبهم، يحبونه ويحبهم، وكانوا دائمًا في صفه، وهو ما رسّخ علاقة فريدة من الولاء المتبادل بين القيادة والشعب.
التحليل العسكري لتأسيس الدولة السعودية الأولى
إذا نظرنا إلى تأسيس الدولة السعودية الأولى من منظور عسكري، سنجد أن التحديات التي واجهتها أشبه بمواجهات الجيوش اليوم، فقد كانت الدرعية أرضًا ذات أهمية استراتيجية، تقع على ضفاف وادي حنيفة، مما وفر لها أسباب العيش والازدهار، في مقابل محيط صحراوي قاسٍ. لكن في الوقت نفسه، كانت هذه التضاريس توفر طرق اقتراب للأعداء، وهو ما حوّله الإمام محمد بن سعود إلى نقاط قوة من خلال بناء خط دفاعي محكم حول المدينة، واستغلال التضاريس في الدفاع والهجوم على حد سواء.
الإمام محمد بن سعود: قائد بحجم التاريخ
الإمام محمد بن سعود لم يكن مجرد أمير، بل كان قائدًا محنكًا بعيد النظر، واجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية هائلة، ومع ذلك، نجح في بناء دولة قوية ومستقرة. فقد أرسى نظامًا سياسيًا متينًا، ووحد القبائل تحت راية واحدة، وعمل على حماية طرق التجارة والحج، مما عزز مكانة الدرعية كمركز اقتصادي وحضاري.
كما كان الإمام قائدًا عسكريًا بارعًا، وضع استراتيجيات دفاعية متقدمة، وهزم الحملات العسكرية التي حاولت اجتياح دولته، مستغلًا التضاريس الطبيعية لصالحه. وقد كان نموذجًا للقائد الذي يجمع بين القوة والعدل، فاهتم بتحقيق الأمن والاستقرار، وعمل على نشر التعليم وتعزيز الوعي الثقافي بين أفراد مجتمعه.
الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود: وريث المجد
بعد وفاة الإمام محمد بن سعود عام 1179هـ (1765م)، واصل ابنه الإمام عبدالعزيز مسيرة البناء والتوسع، فحكم لمدة 39 عامًا، رسّخ خلالها الأمن والاستقرار، وحقق نموًا اقتصاديًا كبيرًا، وجعل الدرعية مركزًا للعلم والأدب. لكن قوته واستقلال دولته لم ترقَ للعثمانيين، فاغتالوه أثناء صلاته في المسجد عام 1218هـ (1803م)، في محاولة يائسة لكسر شوكة الدولة السعودية الأولى.
الإمام سعود بن عبدالعزيز: بطل المعارك الذي لم يُهزم
الإمام سعود بن عبدالعزيز، الذي تولى الحكم بعد والده، كان قائدًا عسكريًا فذًا لم يُهزم في أي معركة، ووسّع نفوذ الدولة ليشمل معظم الجزيرة العربية. كان يتمتع بذكاء استراتيجي، واستخدم تكتيكات عسكرية متقدمة، حتى باتت الدولة السعودية الأولى قوة لا يستهان بها.
الإمام عبدالله بن سعود: الفداء والتضحية
مع تصاعد قوة الدولة السعودية، بدأ العثمانيون في إرسال جيوشهم للقضاء عليها، لكن الإمام عبدالله بن سعود واجههم بشجاعة، وهزمهم في عدة معارك، أبرزها معركة الصفراء (1811-1812م). وعندما اشتد الحصار على الدرعية، فضّل الإمام أن يضحي بنفسه ليحمي شعبه، فسلّم نفسه لإبراهيم باشا على وعد بعدم المساس بأهل الدرعية، لكن العثمانيين غدروا به وأعدموه في إسطنبول عام 1234هـ (1819م)، لتطوى بذلك صفحة الدولة السعودية الأولى.
الدولة السعودية الثانية والثالثة: استعادة المجد
رغم سقوط الدولة السعودية الأولى، لم تنطفئ جذوة آل سعود، فأسس الإمام تركي بن عبدالله الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ (1824م)، وعاصمتها الرياض، لكنها تعرضت فيما بعد لسلسلة من الصراعات الداخلية والخارجية أدت إلى سقوطها عام 1309هـ (1891م).
لكن المجد عاد مجددًا مع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – الذي استطاع، رغم كل التحديات، أن يستعيد الرياض عام 1319هـ (1902م)، ويواصل توحيد المملكة العربية السعودية، ليؤسس دولة حديثة متماسكة، باتت اليوم واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في العالم.
المملكة اليوم: عهد الحزم والعزم
اليوم، تعيش المملكة العربية السعودية في أوج قوتها وعزها، تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – فقد استطاع ولي العهد أن يحلق بالوطن عاليًا في سماء المجد، ويضع رؤية 2030 التي نقلت المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة.
لقد أحدث الأمير محمد بن سلمان تحولًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا هائلًا، فتح آفاقًا جديدة للاستثمار، وعزز مكانة المملكة في الساحة العالمية، وجعلها قوة مؤثرة في مختلف المجالات.
ختامًا: المجد ممتد عبر الأجيال
إن ما نعيشه اليوم من رخاء وأمن واستقرار لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة كفاح طويل بدأه الإمام محمد بن سعود، وتوارثه ملوك وأئمة آل سعود عبر ثلاثة قرون، حتى وصل إلى عهدنا الزاهر.
لقد كانت الراية السعودية التي رفعت في الدرعية قبل أكثر من 300 عام، هي الشرارة الأولى لبناء وطن عظيم، واليوم، تستمر هذه المسيرة بقيادة الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، اللذين يعملان بلا كلل لرفعة المملكة وتحقيق رؤيتها الطموحة.
حفظ الله قيادتنا الرشيدة، وأدام على المملكة عزها وأمنها واستقرارها.

