استضاف قصر الدرعية، اليوم الثلاثاء، لقاءً جمع مسؤولين بارزين من روسيا والولايات المتحدة، حيث انطلقت المحادثات بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأمريكي مارك روبيو، في خطوة تهدف إلى تحسين العلاقات بين موسكو وواشنطن.
تعكس هذه المباحثات التزام السعودية بدعم الاستقرار العالمي، لا سيما في ظل استعداد الرياض لاستضافة قمة مرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. وتأتي هذه الجهود ضمن المساعي الدبلوماسية المستمرة التي تبذلها المملكة لتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.
وأشادت وزارة الخارجية السعودية بالمكالمة الهاتفية الأخيرة بين الرئيسين ترمب وبوتين، التي بحثت إمكانية عقد القمة في الرياض، مؤكدة ترحيب المملكة بهذه المبادرة واستمرار جهودها لتحقيق السلام بين موسكو وكييف.
تندرج هذه الخطوة ضمن سلسلة من المساعي الحميدة التي تبنتها السعودية منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في فبراير 2022، حيث كثّف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من اتصالاته مع القادة المعنيين، معربًا عن استعداد المملكة للمساهمة في إيجاد حل سياسي للصراع.
السعودية وسيط فاعل في النزاعات
يعكس اختيار الرياض لعقد هذه القمة ثقة المجتمع الدولي بقدرة السعودية على لعب دور الوسيط الفاعل في النزاعات الدولية، مما يبرز حيادها الاستراتيجي ونفوذها المتزايد على الساحة العالمية، ومن خلال هذه المبادرة، تعزز المملكة مكانتها كداعم رئيسي للسلام والاستقرار، وتسخر إمكانياتها الدبلوماسية لإيجاد حلول تساهم في إنهاء الصراعات وتحقيق الأمن العالمي.
ووفقًا لوكالة “رويترز”، فإن استضافة السعودية للمباحثات الأمريكية-الروسية لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل يعكس نفوذها المتزايد وحيادها الاستراتيجي، فقد كانت المملكة حليفًا تاريخيًا للولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته، أقامت تعاونًا وثيقًا مع روسيا في مجال السياسة النفطية، كما قدّمت نفسها كوسيط منذ اندلاع الحرب الأوكرانية الروسية.
في سياق متصل، احتفظت السعودية بعلاقة متينة مع أوكرانيا، واستقبلت الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكثر من مرة، حيث حضر إحدى زياراته قمة الجامعة العربية في جدة في مايو 2023، والتقى لاحقًا بولي العهد الأمير محمد بن سلمان في يونيو الماضي.
السعودية لاعب دولي رئيسي
ذكرت صحيفة “USA Today” أن اختيار ترمب للسعودية كموقع للقمة الأولى مع بوتين يعد خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية واستقطاب الاستثمارات وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين.
من جانبها، أشارت مجلة “نيوزويك” إلى أن تحركات السعودية في هذا الإطار تبرزها كلاعب دولي رئيسي، خاصة في ظل مشاركتها الفاعلة في القضايا العالمية مثل أوكرانيا وغزة.
من جهتها، أفادت وكالة “بلومبرغ” بأن ولي العهد السعودي يسعى، من خلال هذه الجهود، إلى تعزيز دور المملكة كمركز دبلوماسي عالمي وصانع سلام محتمل، خاصة في ظل التنافس الدولي المحتدم. وأكدت أن انعقاد القمة في الرياض سيعزز صورتها كموقع رئيسي لاستضافة الفعاليات الدولية رفيعة المستوى، مشيرة إلى أن المملكة كانت في السابق منصة لمناقشة ملفات حساسة، مثل القضية الفلسطينية ومستقبل سوريا وإنهاء النزاع في السودان.
ترسيح مكانة السعودية كقوة عالمية
وأوضحت “بلومبرغ” أن السعودية، من خلال دورها المتنامي كوسيط دولي، تسعى لترسيخ مكانتها كقوة عالمية تتبنى سياسة خارجية تخدم مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية، وتستثمر المملكة في خطط تطوير اقتصادها غير النفطي ضمن “رؤية 2030″، التي تهدف إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة تصل إلى 100 مليار دولار سنويًا بحلول نهاية العقد.
ترى لينا خطيب، الباحثة في معهد “تشاتام هاوس”، أن اختيار السعودية لاستضافة القمة يعكس نجاح استراتيجيتها في تنويع علاقاتها الدبلوماسية، بينما يرى المحلل سباستيان زونس، من مركز الأبحاث التطبيقية والشراكة مع الشرق في بون، أن الرياض تعتمد نهج الاستقلال الاستراتيجي للحفاظ على علاقاتها مع جميع اللاعبين الدوليين، مما يعزز ثقلها الدبلوماسي.
وفي سياق مشابه، تعتبر الباحثة سينزيا بيانكو أن السعودية تسعى إلى ترسيخ دورها كوسيط عالمي في نظام دولي متعدد الأقطاب، حيث تحرص على المشاركة في القضايا العالمية الكبرى، مثل التجارة الدولية والتكنولوجيا والطاقة والمناخ، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
تعكس هذه التحركات الدبلوماسية مدى الثقة المتزايدة التي اكتسبتها المملكة على الساحة الدولية، حيث باتت لاعبًا رئيسيًا قادرًا على التأثير في القضايا العالمية، وتعزيز دورها كجسر للحوار بين القوى الكبرى.

