خاص – الوئام
في مشهد سياسي غير مسبوق، شهدت ألمانيا انتخابات حاسمة أظهرت تحولًا واضحًا نحو اليمين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل البلاد السياسي وعلاقتها بالولايات المتحدة وأوروبا.
فبعد تحقيق الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU/CSU) بقيادة فريدريش ميرتس فوزًا انتخابيًا، تتجه الأنظار إلى التحديات التي تواجه تشكيل الحكومة المقبلة وسط تصاعد نفوذ اليمين المتطرف وتراجع الأحزاب التقليدية.
صعود اليمين وتراجع الاشتراكيين
حقق حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU/CSU) انتصارًا انتخابيًا بحصوله على حوالي 29% من الأصوات، لكنه لا يزال بحاجة إلى شريك ائتلافي لضمان أغلبية برلمانية.
في المقابل، سجل حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف 20% من الأصوات، وهي أعلى نسبة يحققها في تاريخه، مما يعكس تنامي المشاعر المناهضة للهجرة والتوجهات القومية بين الناخبين الألمان.
أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) بزعامة المستشار المنتهية ولايته، أولاف شولتز، فقد سجل أسوأ نتائجه منذ عام 1887، بحصوله على 16% فقط، مما يعكس خيبة الأمل الواسعة من حكومته الائتلافية.
كما عانت الأحزاب التقليدية الأخرى من تراجع كبير، حيث حصل حزب الخضر على 12.5%، بينما تذبذبت حظوظ الحزب الديمقراطي الحر (FDP) حول عتبة الـ 5% اللازمة لدخول البرلمان.
ميرتس واستقلال ألمانيا عن الولايات المتحدة
وفق ما نشرت فاينانشال تايمز البريطانية، فإنه بعد إعلان النتائج الأولية، أكد فريدريش ميرتس أن ألمانيا يجب أن تحقق استقلالًا أمنيًا عن الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يظهر “عدم اكتراث” بمستقبل أوروبا.
كما أعرب عن قلقه بشأن مستقبل الناتو، في ظل الشكوك المتزايدة حول التزام واشنطن بحماية القارة الأوروبية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الأوروبية-الأمريكية توترًا متزايدًا، خاصة بعد أن اتخذت إدارة ترامب خطوات أحادية في ملفات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، حيث أجرى محادثات مباشرة مع روسيا دون تنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، مما أثار مخاوف بشأن استقرار القارة.
تحديات تشكيل الحكومة الجديدة
يواجه ميرتس تحديات كبيرة في تشكيل حكومة مستقرة، حيث لا يملك حزبه الأغلبية الكافية للحكم منفردًا.
ومع استبعاد التعاون مع حزب AfD بسبب توجهاته المتطرفة، يبقى الخيار الأكثر واقعية هو التحالف مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) الذي رغم نتائجه المخيبة، لا يزال يشكل قوة سياسية رئيسية.
لكن الأمور ليست بهذه السهولة، فالحزب الديمقراطي الحر (FDP)، الشريك التقليدي لحزب ميرتس، قد لا يتمكن من دخول البرلمان، ما يعقد جهود تشكيل ائتلاف مستقر.
أما حزب الخضر، فهو الخيار البديل المحتمل، لكنه يختلف في سياساته بشكل جذري عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي، لا سيما في القضايا البيئية والاقتصادية.
انعكاسات اقتصادية وأمنية لنتائج الانتخابات
تزامنت هذه الانتخابات مع تصاعد المشاعر المعادية للهجرة في ألمانيا، خصوصًا بعد سلسلة من الهجمات التي تورط فيها مهاجرون، ما دفع شريحة واسعة من الناخبين للتحول نحو الأحزاب اليمينية.
وتشير الإحصائيات إلى أن 70% من الألمان يعتقدون أن بلادهم تستقبل عددًا كبيرًا من المهاجرين، وهو ما انعكس مباشرة على نتائج الانتخابات.
على الصعيد الاقتصادي، تعاني ألمانيا من تباطؤ حاد، حيث لم تسجل أي نمو اقتصادي يُذكر خلال العامين الماضيين، مما زاد من الضغوط على الحكومة القادمة لإجراء إصلاحات جذرية، بما في ذلك تخفيف القيود الضريبية وزيادة الإنفاق على الدفاع، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في أوروبا.
مستقبل السياسة الألمانية في ظل التحولات الجديدة
مع تسجيل نسبة إقبال بلغت 84%، وهي الأعلى منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، يبدو واضحًا أن الناخبين الألمان كانوا يدركون أهمية هذه الانتخابات.
ولكن مع برلمان منقسم وتحالفات غير واضحة، ستظل ألمانيا في حالة من عدم الاستقرار السياسي حتى يتم التوصل إلى اتفاق ائتلافي قوي.
وفي ظل هذه التغيرات، تبقى ألمانيا أمام خيارين: إما تشكيل تحالف موسع بين الأحزاب التقليدية، وهو ما قد يكون صعب التحقيق، أو الدخول في فترة من الجمود السياسي، ما قد يؤثر على دور البلاد في الاتحاد الأوروبي وعلى علاقاتها مع القوى العالمية.
تحول كبير نحو اليمين
أسفرت الانتخابات الألمانية عن تحول كبير نحو اليمين، حيث تصدر الاتحاد الديمقراطي المسيحي المشهد، بينما سجل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) أفضل نتائجه على الإطلاق.
يسعى فريدريش ميرتس إلى تشكيل ائتلاف حكومي، لكنه يواجه صعوبات بسبب غياب شريك تقليدي واضح. وسط تصاعد المخاوف من تراجع الدور الأمريكي في أوروبا، تواجه ألمانيا تحديات أمنية واقتصادية قد تعيد تشكيل سياستها الداخلية والخارجية.

