خاص – الوئام
في عالم تسوده النزاعات، وتتصاعد فيه الأزمات على أكثر من جبهة، برزت المملكة العربية السعودية كوسيط دبلوماسي محوري، تجمع على أرضها القوى المتنازعة بحثًا عن حلول وسطية تُعيد التوازن إلى المشهد الدولي.
ومع تصاعد حدة الحرب في أوكرانيا، تبرز الرياض مجددًا كمنصة للحوار، حيث تتقاطع المصالح، وتتجدد الآمال في التوصل إلى تسوية تُخفف من لهيب المواجهات.
محطة تمهيدية لمحادثات جدة
في العاشر من مارس 2025، حطّت طائرة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الرياض، حيث التقى بولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، في لقاءٍ وصفه المراقبون بأنه خطوة تمهيدية لبدء جولة جديدة من المفاوضات في جدة.
يشير موقع راديو أوروبا الحرة إلى أن الزيارة، التي جاءت في توقيت حساس، حملت رسائل عدة، أبرزها مساعي كييف لفتح قنوات جديدة للتفاوض، وتعزيز العلاقات مع المملكة التي تسعى لترسيخ موقعها كوسيط دولي فاعل.
اجتماعات وترقب دولي
في اليوم التالي، الحادي عشر من مارس، انطلقت في جدة اجتماعات جمعت وفدًا أمريكيًا برئاسة وزير الخارجية ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي مايك والتز، مع وفد أوكراني يقوده رئيس مكتب الرئاسة أندري يرماك، ووزير الخارجية أندري سيبيها، ووزير الدفاع رستم أوميروف.

تركزت المباحثات حول مقترح أوكراني لتهدئة النزاع عبر هدنة جزئية تشمل وقف الهجمات الجوية والبحرية، كخطوة أولى نحو مفاوضات مباشرة مع روسيا. اللقاء لم يكن مجرد اجتماع روتيني، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة واشنطن وكييف على إيجاد مسار جديد وسط توتر غير مسبوق.
انعكاسات الأزمة بين كييف وواشنطن
لم يكن اجتماع جدة منفصلًا عن المشهد السياسي الأوسع، فقد جاء بعد أزمة دبلوماسية عنيفة بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، حين شهدت أروقة البيت الأبيض في 28 فبراير لقاءً كارثيًا بين زيلينسكي والرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس، انتهى بتوتر شديد وقرارات عقابية ضد كييف، شملت تعليق الدعم العسكري والاستخباراتي مؤقتًا.
إلا أن تصريحات ترمب اللاحقة حملت نبرة أكثر تفاؤلًا، حيث أشار إلى أن هناك “نتائج جيدة قد تخرج من السعودية هذا الأسبوع”، مما يعكس رهان الإدارة الأمريكية على الدور السعودي في إيجاد مخرج دبلوماسي.
السعودية.. وسيط يجمع الأضداد
يأتي هذا التحرك في سياق سياسة سعودية، تهدف إلى ترسيخ موقع المملكة كوسيط دبلوماسي قادر على الجمع بين أطراف متنازعة دون الانحياز لأي طرف.
فمنذ فبراير الماضي، عقدت الرياض جولة محادثات أمريكية روسية، هدفت إلى إعادة فتح قنوات التواصل بين واشنطن وموسكو، رغم غياب كييف عن تلك المباحثات، وهو ما أثار قلقًا في العواصم الأوروبية من احتمال عقد صفقات خلف الكواليس.

لكن المملكة لم تكتفِ بلعب دور الوسيط الصامت، بل عززت من مكانتها عبر استضافة لقاءات متتالية، لترسّخ دورها كمركز ثقل دبلوماسي قادر على التأثير في مجريات الأحداث.
تحالفات متشابكة.. مواقف متباينة
ما يمنح السعودية نفوذًا استثنائيًا في هذه المفاوضات هو شبكة علاقاتها المتشابكة مع جميع الأطراف. فمن جهة، تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، تعززت مع بداية ولاية ترمب الثانية، حيث أجرى أول مكالمة له بعد تنصيبه مع ولي العهد السعودي، واتفق الطرفان على استثمارات ضخمة بقيمة 600 مليار دولار في الولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، تجمعها علاقات قوية مع موسكو، سواء عبر تحالف أوبك+ النفطي، أو عبر التنسيق الدبلوماسي المستمر بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي ظهر جليًا في استقباله الحار خلال افتتاح كأس العالم 2018.
هذا التوازن يجعل من الرياض المكان الأمثل لمفاوضات حساسة، بعيدة عن أعين الإعلام، حيث يمكن صياغة تفاهمات تهيئ الأرضية لخطوات سياسية أوسع.
المملكة في قلب المعادلة الدولية
مع استمرار الاجتماعات في جدة، تتزايد التوقعات بأن تلعب السعودية دورًا أكبر في المباحثات المستقبلية، كضامن لأي اتفاق محتمل.
فبينما تحاول كييف استعادة دعم واشنطن، وتسعى موسكو إلى كسر العزلة الدبلوماسية، تجد الرياض نفسها في موقع يسمح لها بتوجيه بوصلة الأحداث.
وفي ظل عدم وجود حلول واضحة لإنهاء الحرب، تظل السعودية لاعبًا رئيسيًا في هذه المعادلة، توازن بين المصالح، وتفتح أبواب الحوار، في وقت تبحث فيه القوى الكبرى عن نقطة التقاء توقف نزيف الحرب وتعيد رسم خريطة السلام.

