الدكتور فيصل الشمري
كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
في النظام الدولي الجديد للدبلوماسية، انتقلت المملكة العربية السعودية من كونها دولة تعتمد بشكل أساسي على النفط إلى لاعب رئيسي في بناء السلام العالمي.
يستند هذا التحول إلى التزام المملكة الدائم باستقرار المنطقة ومواءمتها الجيوسياسية. تحت القيادة الطموحة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تبنت السعودية نهجًا جريئًا في الدبلوماسية، ووضعت نفسها كوسيط في النزاعات، سواء المحلية أو العالمية، مثل الصراع بين روسيا وأوكرانيا.
تستمد المملكة مصداقيتها كوسيط من تقاليدها العريقة في الدبلوماسية. فقد استغلت مكانتها الفريدة داخل العالمين العربي والإسلامي لتعزيز الوحدة وحل النزاعات بشكل متكرر. على سبيل المثال، قامت السعودية بدور الوساطة في الحرب الأهلية في شمال اليمن خلال الستينيات من القرن الماضي، حيث تفاوضت بين الأطراف المتحاربة وساعدت في تحقيق السلام في المنطقة. لقد عزز هذا الالتزام المستمر ببناء السلام مكانة المملكة كوسيط موثوق في العديد من الصراعات الإقليمية.
يُعد اتفاق الطائف عام 1989 أحد أبرز نجاحات السياسة الخارجية السعودية، حيث أنهى الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عامًا. من خلال جمع الفصائل اللبنانية في مدينة الطائف لعقد المباحثات، أثبتت المملكة قدرتها على دفع الأطراف المتنازعة إلى طاولة الحوار وصياغة اتفاقيات السلام، مما عزز من مكانتها كقوة استقرار رئيسية في الشرق الأوسط.
مع إطلاق رؤية 2030 بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، شهدت السياسة الخارجية للمملكة تحولًا جذريًا. تهدف الرؤية إلى تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على عائدات النفط، لكنها لا تقتصر على الإصلاحات الاقتصادية فقط؛ بل تسعى إلى تعزيز مكانة السعودية كلاعب عالمي بارز من خلال الدبلوماسية. من خلال الاستثمارات الثقافية والتعليمية والتكنولوجية، تعزز المملكة قوتها الناعمة، مما يجعلها طرفًا مؤثرًا على الساحة الدولية.
ساهمت الإصلاحات الداخلية في المملكة، مثل تعزيز حقوق المرأة وتحديث القيم المجتمعية، في تحسين صورة السعودية على المستوى الدولي. هذه الإصلاحات فتحت آفاقًا جديدة للدبلوماسية، حيث باتت المملكة أقرب إلى الغرب، وأصبحت نموذجًا تقدميًا داخل المنطقة.
اكتسبت السعودية مكانة متقدمة كوسيط محايد في النزاع بين روسيا وأوكرانيا. من خلال الحفاظ على علاقات متوازنة مع موسكو وكييف، نجحت المملكة في ترسيخ موقعها كوسيط قادر على استضافة محادثات السلام. أثبتت هذه الحيادية نجاحها في الجمع بين الأطراف المتنازعة على طاولة المفاوضات، مما يعكس التزام السعودية بالسلام العالمي.
إلى جانب الوساطة، قدمت المملكة مساعدات إنسانية للمتضررين من النزاع الروسي الأوكراني. شملت هذه المساعدات الدعم المالي والإغاثة للاجئين، في دليل واضح على التزام المملكة بتخفيف المعاناة الإنسانية وتعزيز السلام في مناطق النزاع.
كمؤشر على قوتها الدبلوماسية المتنامية، استضافت السعودية محادثات رفيعة المستوى تهدف إلى إيجاد حل للصراع الروسي الأوكراني. جمعت قمة جدة وفود الدولتين المتحاربتين إلى جانب قوى عالمية أخرى في نفس القاعة، مما أكد قدرة المملكة على استضافة محادثات حاسمة. عزز هذا الحدث من مصداقية السعودية كوسيط فعال.
كما لعبت السعودية دورًا في تسهيل الحوار بين القوى العظمى، حيث نجحت في جمع الولايات المتحدة وروسيا في محادثات تهدف إلى تقليل التوترات وإيجاد نقاط تفاهم مشتركة. يعكس هذا الدور الأهمية الاستراتيجية للمملكة وقدرتها على التوفيق بين القوى المتعارضة.
امتد التأثير الدبلوماسي السعودي إلى أفريقيا، حيث قامت المملكة بدور الوسيط في نزاعات مثل الحرب الأهلية السودانية. من خلال استضافة محادثات السلام وتقديم المساعدات الإنسانية، ساهمت السعودية في استقرار المنطقة وإرساء أسس السلام، ما يثبت أن دورها في بناء السلام يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
ساهمت المملكة في الجهود الرامية إلى حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث دعمت حل الدولتين وشاركت في العديد من المبادرات الرامية إلى تحقيق سلام دائم في المنطقة. يعكس هذا الدور التزام السعودية بحل النزاعات طويلة الأمد وتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط.
من المتوقع أن تستضيف السعودية قمة تجمع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في المستقبل. يشير هذا الاجتماع المرتقب إلى الدور المتزايد للمملكة كوسيط بين القوى العالمية، ويؤكد قدرتها على توفير منصة محايدة للحوار بين القوى العظمى، مما يكرس التزامها بالسلام والاستقرار العالميين.
تعمل المملكة على تعزيز تحالفاتها داخل مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي الأوسع. من خلال تعزيز الوحدة والتعاون بين الدول المجاورة، تهدف السعودية إلى تشكيل جبهة موحدة قادرة على التعامل مع القضايا الأمنية المشتركة وتعزيز النمو الاقتصادي.
بعيدًا عن منطقة الشرق الأوسط، تسعى السعودية إلى تعزيز علاقاتها مع دول آسيا وأفريقيا وأوروبا. من خلال الاستثمار الاقتصادي والتبادل الثقافي والدبلوماسية، تعمل المملكة على ترسيخ مكانتها كقوة عالمية ذات تأثير متزايد.

