أفادت وكالة بلومبرغ بأن الإجراءات التجارية الحمائية التي تتخذها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من خلال فرض تعريفات جمركية تبادلية جديدة، من شأنها أن تلقي بظلالها القاتمة على اقتصادات الدول الأكثر هشاشة في العالم. وتوقعت الوكالة أن تتضرر الصناعات التصديرية التي تعتمد على العمالة الكثيفة في هذه الدول بشدة، مما قد يقوض إحدى أهم الميزات الاقتصادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة مقارنة بمنافستها اللدودة، الصين.
كمبوديا وبنغلاديش.. الأكثر تضررًا
تصدرت كمبوديا قائمة الدول الآسيوية التي طالتها أعلى نسبة تعريفة جمركية بلغت 49%، وذلك ضمن الرسوم التي أعلن عنها الرئيس ترمب في الثاني من أبريل.
ولم تسلم من هذه الإجراءات أيضًا بنغلاديش، صاحبة الصناعة النسيجية الضخمة، والتي فُرضت عليها رسومًا بنسبة 37%، إلى جانب كل من لاوس التي بلغت الرسوم المفروضة عليها 48%، وليسوتو الواقعة في جنوب إفريقيا بنسبة 50%. وفي سياق متصل، فرضت الولايات المتحدة رسومًا بنسبة 45% على ميانمار، التي كانت أصابها زلزال مدمر أسفر عن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
وقد علق الرئيس ترمب على هذه التعريفات خلال تصريحات أدلى بها في البيت الأبيض، مشيرًا بشكل خاص إلى كمبوديا التي قال إنها تتمتع بفائض تجاري كبير مع الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار استغرابًا وسخرية الحضور.
تداعيات اقتصادية وخسارة النفوذ الأمريكي
وفي ضوء هذه التطورات، حذر خبراء اقتصاديون من أن هذه الإجراءات التجارية قد تفاقم الأوضاع الاقتصادية الهشة بالفعل في الدول الأكثر فقرًا، خاصة في ظل توجه الولايات المتحدة نحو تقليص حجم المساعدات المقدمة للعديد منها. كما أشاروا إلى أن إدارة ترمب قد عمدت إلى إلغاء آلاف العقود الرئيسية للمساعدات التي كانت على مدار عقود تمنح الولايات المتحدة حضورًا ونفوذًا واسعًا في مناطق مختلفة من العالم.
وقد بدأت بالفعل تظهر تداعيات تقليص هذه المساعدات في ميانمار، في حين يُلاحظ أن الصين تسعى بخطى حثيثة لملء هذا الفراغ في مناطق مثل كمبوديا.
“كارثية” التعريفات الجديدة
ووصفت ديبورا إيلمز، رئيسة سياسة التجارة في مؤسسة هينريش، فرض هذه التعريفات المفاجئة على الدول الفقيرة بأنه “كارثة”، مؤكدةً أن “تعريفات بنسبة 50% تقريبًا بين عشية وضحاها سيكون من المستحيل التعامل معها”. وأضافت أن العديد من هذه الدول كانت تتمتع بإمكانية الوصول إلى السوق الأمريكية من دون رسوم جمركية بموجب تصنيفها كدول أقل نموًا، ورجحت أن تتجه هذه الدول نحو أسواق أخرى في أوروبا واليابان وأستراليا لتعويض ضعف الطلب في أسواق مثل الصين.
آلية احتساب التعريفات تثير جدلًا
واتبعت الولايات المتحدة آلية معينة في احتساب هذه التعريفات، حيث تم تقسيم الفائض التجاري لكل دولة مع أمريكا على إجمالي صادراتها، بناءً على بيانات صادرة عن مكتب الإحصاء الأمريكي لعام 2024، ثم تم تقسيم الناتج على اثنين للوصول إلى المعدل “المخفض”. وقد أدت هذه الآلية إلى فرض تعريفة بنسبة 47% على مدغشقر، التي تُعد من بين أفقر دول العالم، كما طالت الرسوم الجمركية لاوس التي يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 6 دولارات يوميًا.
ويمثل هذا التوجه تحولًا ملحوظًا في السياسة التجارية الأمريكية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كانت تقوم على تشجيع التكامل الاقتصادي كوسيلة لمساعدة الدول النامية وتعزيز مصالح واشنطن في الخارج.
مخاوف من تعزيز النفوذ الصيني بالمنطقة
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تخدم مصالح الصين بشكل غير مباشر، خاصة وأن العديد من الدول الآسيوية كانت قد بدأت بالفعل في تقليل اعتمادها الاقتصادي على الولايات المتحدة والتوجه نحو تعزيز علاقاتها مع بكين لجذب الاستثمارات والتمويل اللازم لمشاريع البنية التحتية. وقد يجعل هذا الوضع الدول الصغيرة تشعر بضغوط أكبر لاختيار أحد الجانبين.
بنغلاديش تدرس خفض الرسوم على المنتجات الأمريكية
وفي محاولة للتخفيف من الآثار السلبية لهذه التعريفات، أعلنت حكومة بنغلاديش أنها تدرس خيارات لخفض الرسوم الجمركية على المنتجات المستوردة من الولايات المتحدة بهدف الحفاظ على قدرتها التنافسية في السوق الأمريكية.
تحليل يشكك في عدالة احتساب التعريفات
وقد أثار محللون تساؤلات حول عدالة الآلية التي اعتمدتها الولايات المتحدة في احتساب هذه التعريفات، خاصة وأنها تبدو وكأنها تعاقب الدول التي تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة كمستورد رئيسي لمنتجاتها، بغض النظر عما إذا كان هذا الفائض التجاري ناتجًا عن ممارسات غير عادلة أو مجرد نتيجة لموقعها في سلاسل الإمداد العالمية.
مخاوف من تدفق السلع الصينية
وبالإضافة إلى ذلك، تخشى الدول الآسيوية من احتمال تدفق السلع الصينية الأرخص إلى أسواقها نتيجة لتداعيات الرسوم الأمريكية المرتفعة على المنتجات الصينية.
ويُذكر أن الصين قد فُرضت عليها تعريفة جمركية تبادلية بنسبة 34 بالمئة، تضاف إلى رسوم أخرى بنسبة 20 بالمئة كان الرئيس ترمب قد فرضها في عام 2025. وقد حذرت الخبيرة إيلمز من أن محاولات الصين لإيجاد أسواق جديدة لسلعها التي كانت موجهة في السابق إلى الولايات المتحدة قد تخلق توترات جديدة مع دول الجوار على المدى القصير.

