الدكتورة ميادة غانم – استشاري الصحة النفسية والدعم النفسي
في زمن تتصدر فيه الصور قبل القيم، وتُقاس فيه الشهرة بعدد المتابعين لا بعمق التأثير، برزت ظاهرة لافتة للنظر، نجوم شباب يعتلون منصات التواصل بمظاهر غريبة، وأزياء خارجة عن المألوف، ورسائل تحت لافتات مثل “الحرية”، و”الاختلاف”، و”كسر التابوهات”.
وبينما يصفّق لهم البعض باعتبارهم رموزًا للجرأة والتجديد، يرفع آخرون أصواتهم قلقًا من انزلاق هذه الظاهرة بعيدًا عن المعايير الأخلاقية والمجتمعية.
لكن ما مدى تأثيرها الحقيقي على فكر وسلوك الشباب؟
الهوية في مرحلة الخطر
يعيش المراهقون والشباب في مرحلة حساسة من تكوين الهوية فتصبح النماذج التي يرونها ناجحة في أعين المجتمع – مثل نجوم السوشيال ميديا والفن – بمثابة “قدوة”، حتى وإن كانت هذه القدوة تتبنى مظاهر بعيدة عن السياق الأخلاقي السائد.
علم النفس يشير إلى أن الشباب في هذه المرحلة أكثر عرضة لتقليد من يعتبرونهم ناجحين، وهو ما يعرف بنظرية التعلم الاجتماعي وبناءً عليه، فإن تكرار مشاهدة أنماط سلوكية معينة، سواءً في الملابس أو الكلام أو حتى في الأفكار، يؤدي إلى احتمال تقليدها لا شعوريًا، خاصة إذا كانت مرتبطة بالإعجاب المجتمعي أو الشهرة.
بين المعاصَرة والانحراف عن القيم
الحرية في التعبير عن الذات لا تعني كسر القيم أو السخرية منها؛ فالمعاصرة لا تُلغي ضرورة التمسك بمعايير أخلاقية تحمي المجتمع من التشتت والارتباك القيمي، إلا أن بعض المشاهير الشباب، في سعيهم لجذب الانتباه، يتجاوزون الخطوط الفاصلة بين “الاختلاف المشروع” و”الاستفزاز المقصود”.
وقد يؤدي هذا إلى حالة من الازدواجية لدى المتابعين، خاصة من فئة الشباب، حيث يتلقّون رسائل متناقضة بين ما يُقال وما يُفعل، وبين ما يظهر في الإعلام وما يُطلب منهم في حياتهم الواقعية داخل أسرهم ومجتمعهم.
التأثير النفسي العميق
المظاهر الغريبة قد تبدو في ظاهرها شكلاً من أشكال التعبير الفني، لكنها في حقيقتها تترك آثارًا نفسية عميقة، خصوصًا لدى من لا يمتلكون بعد نضجًا كافيًا في التفكير، فهي تزرع مفاهيم مغلوطة عن النجاح، وتربط القبول المجتمعي بالشكل الخارجي لا بالقيمة الحقيقية.
وقد تدفع بعض الشباب إلى الدخول في دوامة المقارنة، والشعور بالنقص، وفقدان تقدير الذات، مما قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والاغتراب عن الواقع.
مسؤولية مزدوجة
النجومية ليست مجرد أضواء وكاميرات، بل هي مسؤولية، وكل نجم شاب يجب أن يُدرك أنه ليس فقط شخصًا مؤثرًا، بل نموذجًا يتشكل من خلاله وعي جيل، وعليه، فإن نشر مظاهر تستفز القيم أو تشوش على المفاهيم الأخلاقية، يجب أن يُقابل بوقفة نقدية واعية، لا تهاجم الأشخاص، بل تحلل الظواهر وتحمي العقول.
نحن بذلك لا نعادى الحداثة بل ندعو إلى توازن بين الانفتاح والاتزان، بين التعبير والاحترام، وبين الحرية والمسؤولية.
ولعلنا اليوم بحاجة ماسة لنماذج شبابية تجمع بين التأثير والوعي، وبين النجاح والمبادئ، لتكون قدوة حقيقية في زمنٍ بات فيه كل شيء قابلًا للانتشار إلا الثوابت.

