بعد انتهاء علاقة عاطفية، قد تعتقد أنك بخير حتى تمر بجانب زاوية شارع معينة، أو تصادف صديقًا مشتركًا، أو تسمع أغنية حب على الراديو. بغض النظر عن مدى رغبتك في التوقف عن التفكير في الشخص المعني، كل شيء من حولك يبدو كأنه يذكرك بالعلاقة. ولكن، بعيدًا عن مسح الذاكرة بالكامل كما في فيلم “Eternal Sunshine of the Spotless Mind” لجيم كاري.
فهل من الممكن حقًا التخلص من هذه الأفكار؟ الإجابة القصيرة هي: ربما. لكن إذا كان ذلك على المدى الطويل فهو أمر أكثر تعقيدًا.
يقول الدكتور جاشوا ماغي، طبيب نفسي سريرية ومؤسس “ويلي نيس باث ثيرابي”، إن أفكار الناس أقل تركيزًا وأقل سيطرة مما يعتقد معظم الناس.
في دراسة مشهورة أُجريت عام 1996 في مجلة “Cognitive interference: Theories, methods, and findings”، تتبع المشاركون أفكارهم طوال اليوم، ليجدوا أن متوسط عدد الأفكار التي راودتهم تجاوز 4,000 فكرة في اليوم، وأن هذه الأفكار كانت عابرة، لا تستمر أكثر من خمس ثوانٍ في المتوسط.
يقول ماغي: “الأفكار تتدفق باستمرار، وكثير منا لا يلاحظ ذلك”.
في دراسة 1996، تبين أن ثلث هذه الأفكار ظهرت فجأة، دون أي تحفيز خارجي. ويضيف ماغي أن من الطبيعي أن تظهر أفكار مزعجة أحيانًا.
في دراسة أخرى أجراها كليجر وزملاؤه في 1987، أشار المشاركون إلى أن 22% من أفكارهم كانت غريبة أو غير مقبولة، مثل التفكير في قطع إصبعك أثناء الطهي أو سقوط الطفل أثناء حمله إلى سريره.
وفي بعض الحالات، قد يكون من المنطقي كبح هذه الأفكار غير المرغوب فيها. فعلى سبيل المثال، في امتحان أو مقابلة عمل، لا تريد أن تشتت انتباهك بفكرة الفشل. وفي رحلة جوية، من المحتمل أنك لا تريد التفكير في تحطم الطائرة. وقد أظهرت الأدلة أنه من الممكن كبح هذه الأفكار، كما يقول ماغي.
وفي دراسة أجريت عام 2022 ونشرت في مجلة “PLOS Computational Biology”، عرض فريق من الباحثين الإسرائيليين 80 متطوعًا على مجموعة من الشرائح تحتوي على كلمات مختلفة، وتم تكرار كل كلمة خمس مرات. طلب من المشاركين أن يكتبوا كلمة مرتبطة بكل كلمة، مثل “طريق” ردًا على “سيارة”.
كما تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: مجموعة لا يمكنها تكرار الكلمات، ومجموعة أخرى يمكنها تكرار ما تشاء. أظهرت النتائج أنه عندما رأى المشاركون الكلمة للمرة الثانية، استغرقوا وقتًا أطول من المجموعة الضابطة للعثور على ارتباط جديد، مما يشير إلى أن الاستجابة الأولى ظهرت في أذهانهم قبل استبدالها.
يقول إسحاق فرادكين، المؤلف الرئيسي للدراسة: “لم نجد دليلًا على أن الناس يمكنهم تجنب الأفكار غير المرغوب فيها بشكل كامل”. وأضاف أن النتائج تشير إلى أن التدريب يمكن أن يساعد الأشخاص على تجنب فكرة معينة.
ومع ذلك، لا يتفق الجميع على أن هذا النوع من التجارب يمكن أن يكون مؤشرا دقيقًا على كيفية قمع الأفكار العاطفية. ويشير بعض الأبحاث إلى أن محاولة تجنب الأفكار قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
“عندما نقمع فكرة، فإننا نرسل إلى أدمغتنا رسالة مفادها أن هذه الفكرة يجب أن تُخشى”، كما قال ماغي. و”بذلك، نحن نجعل هذه الأفكار أكثر قوة من خلال محاولتنا السيطرة عليها”. أظهرت مراجعة أجريت عام 2020 شملت 31 دراسة حول قمع الأفكار أن القمع يعمل في المدى القصير، لكن الفكرة التي تم تجنبها تعود إلى الذهن بشكل أكثر تكرارًا بعد انتهاء المهمة.
وفي النهاية، قد يكون من الأفضل تبني نهج واعٍ تجاه هذه الأفكار غير المرغوب فيها، والانتظار حتى تمر بدلاً من محاولة تجنبها، تمامًا كما تمر آلاف الأفكار الأخرى في ذهنك يوميًا. قال فرادكين: “يمكننا أن نسمح لهذه الأفكار بالوجود في عقولنا دون أن نتمسك بها بشدة أو نكافحها”.

