شكّل إعصار “ساندي” الخارق، الذي ضرب مدينة نيويورك في 29 أكتوبر 2012 بجدار مائي بلغ ارتفاعه 4 أمتار، إنذارًا مبكرًا، وكشف نافذة على مستقبل قد يكون أكثر قتامة. لم تقتصر آثار العاصفة حينها على الخسائر البشرية الفادحة (147 قتيلاً) والأضرار المادية الهائلة (50 مليار دولار)، بل قدمت لمحة عما قد يصبح مشهدًا مألوفًا بحلول منتصف القرن الحالي، وفق تقرير حديث نُشر ضمن أعمال “مشروع 89 بالمئة”، وهي مبادرة أطلقت في إطار التعاون الصحفي العالمي “تغطية المناخ الآن”.
وللإشارة إلى الكوارث المحتملة التي ستتعرض لها الولاياتى المتحدة، يذكر التقرير أنه بينما قد يظل تمثال الحرية شامخًا، فإن مناطق منخفضة مثل جزيرة إيليس قد تغمرها المياه تمامًا. وبحلول عام 2100، قد يصل ارتفاع مستوى سطح البحر وحده إلى ما وصل إليه فيضان “ساندي”.
تتوقع هيئة مدينة نيويورك المعنية بتغير المناخ (NPCC) -مثلًا- ارتفاعًا يصل إلى 0.76 متر بحلول خمسينيات القرن الحالي، وربما 3 أمتار بحلول عام 2100. لكن أدلة جديدة من ماضي الأرض تشير إلى أن هذه التوقعات المتشائمة قد تكون واقعية، بل وربما متحفظة أيضًا للغاية.
نافذة على الماضي السحيق
قبل حوالي 2.6 مليون سنة، دخل كوكبنا حقبة تُعرف بـ “العصر الرباعي”، وهي فترة تميزت بتعاقب دورات جليدية وأخرى دافئة (بين جليدية) كل 100 ألف عام تقريبًا.
هذه الدورات، المدفوعة جزئيًا بتذبذبات في مدار الأرض حول الشمس، تُغير كمية الإشعاع الشمسي الواصل إلينا.
في هذه الفترة وخلال الدورات الباردة (الجليدية)، امتدت الصفائح الجليدية العملاقة عبر القارة القطبية الجنوبية وجرينلاند وأمريكا الشمالية، حاجزةً كميات هائلة من المياه ومخفضةً مستويات البحار. وفي الفترات الأكثر دفئًا (بين الجليدية)، تراجع الجليد وارتفعت المحيطات.
قد يكمن مفتاح فهم ارتفاع البحار اليوم في فترة “ما بين الجليدية الأخيرة” (من 129,000 إلى 116,000 سنة مضت)، حين وصلت درجات الحرارة العالمية إلى ما يزيد بمقدار 1 إلى 2 درجة مئوية عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية. وبما أننا حاليًا أعلى بنحو 1.5 درجة مئوية، فإن هذه الفترة القديمة قد تكون مؤشرًا لما سيحدث في العقود القادمة مع استمرار الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية.
لغز “لورينتيد” العنيد
لسنوات، اعتقد الباحثون أن الغطاء الجليدي الضخم في أمريكا الشمالية، المعروف بـ “لورينتيد”، قد اختفى في وقت مبكر جدًا خلال فترة ما بين الجليدية الأخيرة. لكن أدلة جديدة تشير إلى أن “لورينتيد” ظل موجودًا لآلاف السنين بعد ذلك التاريخ المفترض.

إذا صح هذا، فإنه يغير فهمنا بشكل جذري لمكان وسرعة ذوبان الجليد في تلك الحقبة، وفق التقرير. إذ تقترح النماذج الحديثة أنه إذا استمر “لورينتيد” لفترة أطول، فمن المرجح أن القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) قد ذابت بشكل أكبر وأسرع مما كان يُعتقد سابقًا. وهذا يحمل تداعيات مقلقة لمستقبل مستويات سطح البحر.
يقول روجر كريل، عالم الجيوفيزياء في معهد وودز هول لعلوم المحيطات والذي يدرس تغير مستوى سطح البحر: “نريد جميعًا أن نفهم إلى أي مدى تقلص حجم الغطاء الجليدي في أنتاركتيكا. آخر مرة وصلت فيها الأرض إلى درجات حرارة مماثلة. قد تكون توقعات مستوى سطح البحر منخفضة للغاية إذا تم التقليل من شأن ذوبان أنتاركتيكا”.
قراءة المستقبل في سجلات الأرض
منذ عام 1880، ارتفعت مستويات البحار العالمية بأقل من 0.25 متر بقليل. ومع تضاعف المعدل منذ عام 2006، يبدو أن الارتفاع بمقدار ربع متر آخر بحلول عام 2100 أمر شبه مؤكد.
لكن هذا على الأرجح تقدير أقل من الواقع، حيث يتوقع العلماء تسارع ذوبان الجليد في القطبين.
تكمن المشكلة في تحديد حجم الذوبان المتوقع بدقة. إذ يشبه توقع مستويات سطح البحر التنبؤ بمسار عاصفة: نحاول قراءة المستقبل من بيانات الماضي. لكن على عكس العواصف الحديثة، فإن سجلاتنا لمستوى سطح البحر القديم نادرة ومجزأة. كما أن القياسات المباشرة (من مقاييس المد والجزر والأقمار الصناعية) لا تغطي سوى ومضة من الزمن الجيولوجي، والتنبؤ بالمستقبل بناءً على هذه القياسات فقط يشبه تخمين نهاية رواية من فصولها الأولى.
ووفق التقرير، فإنه كلما عدنا بالزمن، أصبحت السجلات أكثر غموضًا.
لقد محت الأنهار الجليدية القديمة الكثير من الأدلة المادية. وما تبقى هو خليط من الأدلة – حفريات، ورواسب، وشواطئ قديمة – يحاول العلماء تجميعها كالمحققين.
نموذج جديد.. وحقائق مقلقة
أحد هؤلاء “المحققين” هي أندريا داتون، عالمة الجيولوجيا بجامعة ويسكونسن ماديسون، التي أمضت سنوات في دراسة الشعاب المرجانية المتحجرة في منطقة البحر الكاريبي وأماكن أخرى.
تكشف هذه الشعاب عن تقلبات مستوى سطح البحر في الماضي، لكن الصورة معقدة. فارتفاع مستوى سطح البحر ليس موحدًا حول العالم، كما أن اليابسة نفسها ليست ثابتة، فهي ترتفع وتنخفض بسبب حركة الصفائح التكتونية وذوبان الجليد (ظاهرة تعرف بالارتداد التوازني للقشرة الأرضية، تشبه ارتداد مرتبة رخيصة بعد أن تنهض عنها).
وقد طور كريل، بالتعاون مع جاكلين أوسترمان في مرصد لامونت دوهرتي بجامعة كولومبيا، نموذجًا جديدًا يأخذ في الاعتبار استمرار وجود الغطاء الجليدي “لورينتيد” لفترة أطول. ووجدوا أن عملية الارتداد التوازني تلعب دورًا حاسمًا.
وللتوضيح، فإنه عندما ذاب الجليد في أنتاركتيكا بسرعة في بداية فترة ما بين الجليدية الأخيرة، ارتدت القشرة الأرضية هناك، مما دفع المياه شمالًا، فارتفعت مستويات البحر في مناطق مثل الكاريبي بينما انخفضت بالقرب من أنتاركتيكا.
يوضح هذا النموذج الجديد العديد من الملاحظات المحيرة، ويشير إلى أن “أنتاركتيكا ربما تكون أكثر عرضة للخطر مما كنا نظن”، كما يقول كريل. فإذا كان “لورينتيد” قد أخفى حجم ذوبان أنتاركتيكا في الماضي، فقد تكون نماذجنا الحالية للمستقبل متفائلة أكثر من اللازم.

غرب أنتاركتيكا.. قنبلة موقوتة؟
يتركز القلق بشكل خاص على غرب القارة القطبية الجنوبية، حيث يقع معظم الجليد تحت مستوى سطح البحر، مما يجعله عرضة للذوبان بفعل مياه المحيط الدافئة. وقد حذر عالم الجليد جون ميرسر في عام 1978 من أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون قد يؤدي إلى انهيار الغطاء الجليدي في غرب أنتاركتيكا، مما يتسبب في ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 5 أمتار.
تبدو تحذيراته، التي وُصفت حينها بالمبالغة، الآن دقيقة بشكل مخيف. إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى آلية تسمى “عدم استقرار الغطاء الجليدي البحري” (MISI)، حيث يؤدي الماء الدافئ إلى تراجع خط التلامس بين الجليد وقاع البحر، مما يسرع من تدفق الجليد إلى المحيط في حلقة مفرغة.
ويعتقد ماتيو مورليغيم، عالم الجليد في دارتموث، أن انهيار غرب أنتاركتيكا قد يكون حتميًا في القرون القادمة، مما قد يضيف أكثر من 3 أمتار إلى مستوى سطح البحر العالمي. وتدعم الأدلة من فترة ما بين الجليدية الأخيرة (بما في ذلك دراسات عن تهجين الأخطبوط عبر القارة!) هذه المخاوف، مشيرةً إلى ذوبان كبير في غرب أنتاركتيكا خلال تلك الفترة الدافئة.
ماذا سيحدث؟
إذا صحت النتائج الأخيرة وكان ذوبان كبير في غرب أنتاركتيكا وشيكًا، فقد تكون حتى توقعات العلماء الأكثر تشاؤمًا متفائلة.
في السيناريو “عالي التأثير ومنخفض الاحتمال” لعام 2100 الذي وضعته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، ستغرق مناطق منخفضة شاسعة ومأهولة بشكل دائم، بما في ذلك أجزاء كبيرة من ساحل نيوجيرسي وأحياء في مانهاتن وبروكلين وستاتن آيلاند. وحتى من دون زيادة في قوة العواصف، فإن مجرد ارتفاع مستوى سطح البحر قد يجعل فيضانات السواحل التي تحدث مرة كل قرن تتكرر كل بضع سنوات بحلول ثمانينيات هذا القرن.
ويحذر الخبراء من المقارنات المباشرة بين الماضي والحاضر، فمسببات الاحترار اليوم مختلفة وأسرع. وتقول داتون: “اليوم نحن نفرض الاحترار على كلا القطبين في نفس الوقت بسبب غازات الاحتباس الحراري”، بينما كان الاحترار في الماضي يتركز أكثر في نصف الكرة الشمالي.
ومع ذلك، يرى كلاوس جاكوب، خبير التخفيف من آثار المناخ في جامعة كولومبيا، أن مجرد احتمال تحقق السيناريوهات الأسوأ يتطلب تحركًا عاجلًا: “هل ستركب طائرة احتمال تحطمها 10%؟”؛ يتساءل. ويجيب بأن الحلول مثل بناء الحواجز هي مجرد حلول مؤقتة، وأن الحل الحقيقي يكمن في “التراجع المنظم” إلى مناطق مرتفعة. وإذا لم يتم هذا التراجع بشكل منظم؟ “ستكون فوضى”، كما يقول.

