الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
حين تولى الحزب الشيوعي الصيني السلطة عام 1949، لم يكن الأمر مجرد تغيير سياسي؛ بل كان مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمع الصيني على أسس أيديولوجية اعتقد قادته أنها قادرة على صياغة مستقبل مثالي. إلا أن ما أعقب ذلك كان إثباتًا صارخًا للفجوة المتكررة بين الشعارات الاشتراكية وواقع التطبيق.
بقيادة ماو تسي تونغ، ألغيت الملكية الخاصة، وتم تأميم الزراعة والصناعة، وأجبر الفلاحون على بيع منتجاتهم للدولة بأسعار محددة. سياسات التخطيط المركزي، رغم زخمها الدعائي، أدت إلى كوارث غير مسبوقة، كان أشدها المجاعة الكبرى بين 1958 و1962، التي راح ضحيتها نحو خمسين مليون إنسان. لم يكن ذلك بسبب شح الموارد أو غضب الطبيعة، بل بسبب تجاهل قواعد الاقتصاد الأساسية، وإعلاء الأيديولوجيا فوق الحقائق الموضوعية.
مع وفاة ماو عام 1976، بدت الصين وكأنها دولة فقدت قدرتها على الاستمرار. لكنها، تحت قيادة دنغ شياو بينغ، اختارت مسارًا مغايرًا: بدلاً من التشبث الأعمى بالاشتراكية، سُمح بمساحات محدودة للقطاع الخاص، وبدأت التجارب الاقتصادية الجريئة التي قامت على تخفيف القيود، لا على التخلي الكامل عن السيطرة.
كان فتح نوافذ صغيرة للأسواق كافيًا لإطلاق قدر هائل من الطاقة الكامنة. خلال ثلاثة عقود، قفز الاقتصاد الصيني من حافة الانهيار إلى مصاف القوى العالمية، وتحولت البلاد من رمز للفقر المدقع إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. أكثر من 800 مليون صيني غادروا تحت خط الفقر، ليس بفضل النظريات الاشتراكية، بل بفضل إتاحة هامش حرية كافٍ لخلق الثروة.
من بين أولئك الذين استفادوا من هذه المرحلة، ظهر جاك ما. معلم اللغة الإنجليزية الذي أسس “علي بابا”، أحد أعظم قصص النجاح في العصر الرقمي. نجاح علي بابا، الذي بلغ ذروته بطرح أسهمه في بورصة نيويورك عام 2014 بقيمة 150 مليار دولار، لم يكن مجرد قصة شخصية؛ بل رمزًا لمرحلة كانت فيها السوق -ولو جزئيًا- أكثر قوة من الدولة.
غير أن هذا المسار لم يرق للقيادة الجديدة في بكين. مع وصول شي جين بينغ إلى سدة الحكم، بدأت علامات العودة إلى نموذج السيطرة المركزية تظهر مجددًا. شي لم يرَ في قصص النجاح الاقتصادي انتصارًا لقوى السوق، بل خطرًا على سلطة الحزب. فلسفته كانت واضحة: الأولوية ليست لازدهار السوق، بل لضمان بقاء الدولة مركز السلطة الوحيد.
حادثة جاك ما كانت لحظة رمزية فاصلة. عندما تجرأ على انتقاد النظام المصرفي الصيني في أكتوبر 2020، جاء الرد قاسيًا: أُلغي الاكتتاب العام لمجموعة Ant Group، وتعرض ما للضغط والإخفاء، ثم اختفى عن الأنظار لأشهر، قبل أن يظهر بهدوء في طوكيو. الرسالة كانت صريحة لكل من يعتقد أن النجاح الشخصي يمكن أن يعلو على إرادة الدولة.
منذ ذلك الحين، بدأ الاقتصاد الصيني يتباطأ بشكل واضح. معدلات البطالة بين الشباب وصلت إلى 21% بحلول منتصف 2023، وهي نسبة لم تعلن عنها السلطات لاحقًا بعدما توقفت عن نشر بيانات البطالة. النمو الاقتصادي، الذي كان يتجاوز 9% سنويًا، تباطأ إلى مستويات أقل بكثير، وسط تزايد الشكوك الدولية بشأن استدامة النموذج الصيني.
التحليل الهادئ يقودنا إلى نتيجة واضحة: لا يمكن الجمع بين اقتصاد حديث وديناميكي، وبين قبضة سياسية محكمة. النظام الاقتصادي المزدهر يحتاج إلى الشفافية، وإلى سيادة القانون، وإلى حرية المبادرة الفردية. وكلما تم التضييق على هذه المقومات، تقلصت فرص النمو، وانحسر الأمل في تجاوز التحديات المستقبلية.
اليوم، بينما يرسخ شي جين بينغ حكمه ويمهد للبقاء في السلطة مدى الحياة، تبدو الصين وكأنها تعيد إنتاج أخطاء الماضي: التضحية بالديناميات الاقتصادية الحيوية على مذبح الأمن السياسي. وقد علّمنا التاريخ أن مثل هذه الخيارات لا تنتهي بتعزيز السلطة فحسب، بل غالبًا ما تفضي إلى أزمات أعمق وأكثر تكلفة.
لقد روج كثيرون في العقدين الماضيين لفكرة أن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة، وستهيمن على الاقتصاد العالمي. لكن الواقع اليوم يختلف: فبين بطء النمو، وتصاعد التوترات الداخلية، وتزايد الرقابة، يبدو أن “المعجزة الصينية” قد دخلت مرحلة جديدة، أقل بريقًا، وأكثر هشاشة.
الخلاصة أن الاشتراكية، مهما تعددت أسماؤها وتجددت أساليبها، تحمل معها بذور إخفاقها. الصين، مثل غيرها، تجد نفسها اليوم أمام الدرس ذاته: أن ازدهار الشعوب لا يُفرض بالقرارات الفوقية، بل يولد حين تتاح للناس الفرصة للابتكار والعمل الحر.
في النهاية، الاشتراكية لا تفشل بسبب مؤامرات خارجية، بل بسبب تناقضها مع طبيعة الإنسان وطموحه. وفي كل مرة يتم فيها تجاهل هذه الحقيقة، تكون النتيجة متوقعة:
اشتراكية جديدة، فشل جديد.

