خاص – الوئام
تعيش أوروبا لحظة مفصلية في تاريخها، إذ تواجه تهديدات متزامنة من الحرب الروسية ومن الانعزالية السياسية والاقتصادية التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وفي ظل هذه التحديات، تلجأ الدول الأوروبية إلى حلول سريعة مثل زيادة الإنفاق الدفاعي وتشكيل تحالفات صغيرة بين الدول المتقاربة. ورغم أن هذه الإجراءات تساعد في إدارة الأزمات الحالية، فإنها لا تعالج المشكلات العميقة التي تهدد النظام الأمني والسياسي للقارة.
شلل المؤسسات التقليدية
تعاني المؤسستان الأساسيتان في أوروبا، الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، من شلل مزمن. فالاتحاد الأوروبي يواجه صعوبات في تنفيذ الإصلاحات نتيجة الانقسامات المتزايدة بين أعضائه، فيما يظل الناتو معتمدًا على القيادة الأمريكية.
ولكن مع انحسار الدور الأمريكي في قيادة أمن أوروبا، أصبح من الضروري أن يتفق الأوروبيون بأنفسهم على أهدافهم الأمنية المشتركة، وذلك في وقت يشهد تراجعاً في الإحساس بالوحدة السياسية بينهم نتيجة سلسلة من الأزمات مثل أزمة منطقة اليورو، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وجائحة كورونا.
تناقض الحلول المطروحة
تنقسم الرؤى الأوروبية بين من يدعو لتعميق التكامل داخل الاتحاد الأوروبي ومن يلجأ إلى التحالفات المرنة بين عدد محدود من الدول. وعلى الرغم من أن هذه التحالفات تسهل الاستجابة السريعة للتحديات، إلا أنها تفتقر إلى الشفافية والتخطيط المشترك، ما يجعل أثرها محدودًا على المدى الطويل.
أشارت مجلة فورين آفيرز الأمريكية إلى أن أوروبا بحاجة إلى نظام إقليمي جديد قادر على مواجهة التحديات الاستراتيجية التي باتت تهدد افتراضاتها القديمة، وعلى رأسها الاعتماد الدائم على الدعم الأمريكي. ولا يمكن تحقيق الأمن الأوروبي طويل الأمد إلا من خلال تحالفات مرنة مبنية على قواعد واضحة ومساءلة ديمقراطية.
الإصلاحات المؤجلة
رغم تعهد الدول الأوروبية المستمر بإصلاح مؤسسات الاتحاد، فإن هذه الوعود لم تترجم إلى واقع ملموس بسبب تباين المصالح ورفض الدول التنازل عن سيادتها. فالمؤسسات الأوروبية تميل إلى الإدارة التقنية أكثر من التغيير الجذري، ما يكرس الجمود المؤسسي.
ولكن التحالفات الطارئة مثل تلك التي أنشئت لدعم أوكرانيا، والتي بدأت بمبادرات فرنسية وبريطانية، تعكس سعي أوروبا لتجاوز بطء مؤسساتها. كما أنها تواجه مشكلة استبعاد الدول الصغيرة، ما أدى لاحقًا إلى توسيع التحالف ليشمل 31 دولة، وفقدان فعاليته نتيجة مشاركة غير متكافئة.
قصور الهيكلية الأمنية البديلة
تعاني التحالفات المؤقتة من ضعف في الربط بين السياسات المتشابكة كالأمن والمناخ، كما تفتقر إلى هياكل متكاملة للاستخبارات، والتمويل، والقيادة المركزية. وما يُقدَّم كمؤسسات جديدة واعدة لا يعدو كونه محاولة للالتفاف على مشكلات النظام القائم، دون معالجة جذرية لها.
وفي ظل تراجع الدور الأمريكي، تجد أوروبا نفسها مضطرة لسد هذا الفراغ عبر زيادة الإنفاق العسكري. لكن ذلك في ظل غياب استراتيجية موحدة لتوجيه هذا الإنفاق. كما أن الجدل حول مبادرة “إعادة التسلح الأوروبية”، يبرز حجم التحديات التي تواجه التوافق الأوروبي بشأن أولويات الأمن المشترك.
محدودية الدور الأمريكي والأوروبي
رغم أهمية المؤسسات القائمة مثل الناتو والاتحاد الأوروبي، فإنها وحدها لا تكفي لضمان الأمن الأوروبي. حلف الناتو لا يمكنه العمل من دون قيادة الولايات المتحدة، في حين تفتقر الدول الأوروبية إلى الثقة المتبادلة، كما أن الشكوك تجاه مؤسسات بروكسل تحدّ من فعاليتها. هذا الضعف البنيوي يجعل الاعتماد على تلك المؤسسات غير كافٍ لمواجهة التحديات الراهنة.

يتطلب الدفاع الأوروبي المشترك توافقاً سياسياً حقيقياً، لكن عضوية الاتحاد الأوروبي أو الناتو لم تعد مؤشراً على الالتزام بقيم الديمقراطية الليبرالية. مواقف بعض الدول كهنغاريا وسلوفاكيا، التي تعرقل قرارات موحدة، تضعف القدرة على اتخاذ موقف أوروبي جماعي. ولا يمكن للبيانات الجماعية، من دون مشاركة تلك الدول، أن تكون بديلاً مستداماً لوحدة القرار.
نحو شراكات جديدة بعد بريكست
على الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تجاوز تبعات الانفصال عبر إقامة تحالف أمني جديد أكثر شمولاً. ورغم وجود تعاون محدود في دعم أوكرانيا، فإن هذا التعاون يبقى غير كافٍ. هناك حاجة إلى نموذج أكثر مؤسساتية يمكنه أن يعيد دمج أوكرانيا ويوفر منصة مشتركة للتنسيق الأمني.
ولابد من الإشارة إلى ان انضمام أوكرانيا إلى الناتو لا يزال مستبعداً، إذ يواجه مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي عراقيل بيروقراطية وتباطؤاً واضحاً. لذلك، تبرز الحاجة لإطار سياسي وأمني جديد يسمح بدمج تدريجي وفعّال لأوكرانيا في النظام الأوروبي، عبر التزامات واضحة لا تقتصر على وعود بالعضوية المؤجلة.
نموذج الكتل
في مواجهة التحديات الكبرى، تحتاج أوروبا إلى نظام مرن يقوم على تحالفات أو “كتل” من الدول التي تتفق على أهداف مشتركة في مجالات محددة، مثل الأمن أو الطاقة أو المناخ. ويمكن لكل كتلة أن تنشئ هياكلها الإدارية والرقابية الخاصة بها، مع انفتاحها على دول من خارج الاتحاد الأوروبي، بناء على التزامات طوعية.
لا يعني هذا الاستغناء عن مؤسسات الاتحاد في المجالات التي أثبتت فيها فعاليتها، كالتجارة والرقمنة. لكن في الملفات الشائكة التي يصعب فيها تحقيق إجماع، يوفر نموذج الكتل بديلاً عملياً يمكّن الدول المتوافقة من التقدم، ويتيح في الوقت نفسه إمكانية تعليق مشاركة الدول التي لا تلتزم بالقيم الأساسية.
دعوة لتحرك جريء
رغم مرور سنوات على طرح فكرة “أوروبا الكتل”، فإن معظم الزعماء الأوروبيين ما زالوا يتمسكون بالحفاظ على البنى الحالية، حتى لو كانت عاجزة عن الاستجابة للتحولات الجيوسياسية. الهجوم الروسي على أوكرانيا، والمواقف العدائية للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب تجاه القيم الأوروبية، يشكّلان معاً صدمة مضاعفة تستدعي إعادة النظر في بنية النظام الأوروبي.
لكن المبادرات المطروحة حالياً لا ترقى إلى مستوى التحديات، ويظل الحديث عن “بداية أوروبية جديدة” مجرد شعار فارغ ما لم يترافق مع خطوات جريئة وملموسة. وحدها هذه الخطوات يمكن أن تحوّل اللحظة الراهنة من خطر يهدد وحدة القارة إلى فرصة لإعادة تأسيس النظام الأوروبي على أسس أكثر مرونة واستدامة.

