د. عائشة بنت مفتي القرشي
تشهد المناطق الحضرية في العقود الأخيرة تحديات متزايدة تتعلق بإدارة مياه الأمطار، خاصة مع تفاقم آثار التغير المناخي الذي ادى الى زيادة شدة وتكرار العواصف المطرية، حيث تؤدي التغيرات المناخية إلى تغيرات كبيرة في الأنماط الهيدرولوجية، مثل زيادة كثافة الأمطار وتغير توقيتها كما تبين العديد من الدراسات، إضافة إلى ذلك، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تغيرات في معدلات التبخر، مما قد يؤثر على دورة المياه ويؤدي إلى جفاف متقطع يعقبه فيضانات مفاجئة، ووفقًا لتقارير الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ (IPCC) فإنه من المتوقع أن تشهد العديد من المناطق زيادة في الأحداث المطرية الشديدة بنسبة 20-30% بحلول عام 2050 خاصة في المناطق الحضرية، حيث ان الأسطح الغير منفذة تشكل نسبة كبيرة من المساحة، وهذا يؤدي الى ازدياد الجريان السطحي بشكل كبير، مما يضع ضغطًا هائلاً على أنظمة الصرف التقليدية. هذه الظروف تجعل أنظمة تصريف مياه الأمطار الحالية، والتي صُممت بناءً على بيانات هيدرولوجية قديمة، تواجه تحديات عديدة في ظل التغيرات المناخية منها ان الأنظمة القديمة غالبًا لا تستوعب التدفقات الكبيرة الناتجة عن الأمطار الشديدة، وتحديث البنية التحتية التقليدية لتستوعب هذه التدفقات الكبيرة يتطلب استثمارات ضخمة لا تحتملها جميع الدول، خاصة الدول ذات الموارد المحدودة، بالإضافة الى ان تصريف المياه مباشرة إلى الأنهار او مجاري الأودية والبحر قد يزيد من التلوث ويؤثر على النظم الإيكولوجية.
كذلك يمكن أن يُلحق الفيضان الضرر أو يُدمر العديد من أنواع البني التحتية على طول الطرق السريعة حيث تؤثر زيادة وتيرة وشدة العواصف على أنظمة تصريف مياه الأمطار والعبارات الغير المصممة للتعامل مع التدفقات المتزايدة، فعلى سبيل المثال، عند غمر طريق او جسر بالفيضان، قد يحوّل ذلك حركة المرور بعيدًا عنه أثناء الفيضان او اثناء إجراء الإصلاحات الناتجة عن هذه الفيضانات، عدا ان ذلك قد يؤدي الى اضرار جسيمة بالمركبات التي تمر بالطريق المتأثر اثناء هذه الفيضانات. كذلك تكون الجسور معرضة للتآكل بسبب المياه أثناء الفيضانات الهادرة، مما قد يُضعف بنيتها بمرور الوقت ويجعلها أكثر عرضة للخطر خاصة في حال تعرضها لفيضانات أخرى، في حين قد تنهار العبارات كليا.
لمعالجة هكذا تحديات، ظهرت أساليب حديثة تركز على إدارة مياه الأمطار بشكل مستدام، مثل أنظمة الصرف المستدام (Sustainable Urban Drainage Systems – SuDS) واستخدام برامج مثل Storm Water Management Model (SWMM) أو HEC-RAS لمحاكاة التدفقات مع استخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لتحليل التضاريس وتحديد المناطق الأكثر عرضة للفيضانات ومن ثم تحسين تصميم أنظمة الصرف حيثما تدعو الحاجة.
الجدير بالذكر ان زيادة الأسطح الخضراء والرصف المنفذ الذي يسمح بتسرب المياه إلى التربة بدلاً من تجمعها على الأسطح والذي يساعد على امتصاص مياه الأمطار وتقليل الجريان السطحي، وانشاء الأحواض الاحتجازية والتي تخزن المياه مؤقتًا: كلها تساهم في تقليل الضغط على نظام الصرف، بالإضافة الى انشاء الحدائق المطرية التي تجمع المياه وتعزز التنوع البيولوجي.
يمكن الإستفادة من تجربة كوبنهاغن الرائدة في الدنمارك، والتي واجهت تحديات كبيرة بسبب الأمطار الغزيرة حين تسببت عاصفة مطرية في عام 2011 م في خسائر اقتصادية تجاوزت مليار يورو، مما جعل السلطات في المدينة تطور خطة شاملة لإدارة مياه الأمطار تجمع بين البنية التحتية التقليدية والحلول المستدامة، فقامت بإنشاء حدائق مطرية وأنفاق لتخزين المياه، مما قلل من مخاطر الفيضانات بنسبة كبيرة.
وعليه، يمثل التغير المناخي والأمطار الغزيرة والفيضانات العارمة التي نتجت عنه تحديًا كبيرًا لتصميم أنظمة تصريف مياه الأمطار في المناطق الحضرية، وتطوير بنية تحتية لتكون مرنة ومستدامة وقادرة على مواجهة التحديات المستقبلية، لكن ذلك يتطلب التعاون بين الحكومات، والمهندسين، وأصحاب المصلحة لتحديث بيانات التصميم الهيدرولوجي بناءً على توقعات التغير المناخي، والاستثمار في البنية التحتية المستدامة لتقليل التكاليف طويلة الأمد، بالإضافة الى تعزيز التوعية المجتمعية بأهمية إدارة مياه الأمطار والفيضانات إدارة سليمة تأخذ جميع الظروف والبيانات المحدثة في الاعتبار، وذلك لضمان استدامة المدن، وسلامة سكانها، والتقليل من التكاليف الاقتصادية الناجمة عن تأثر البنى التحتية وجوانب الحياة المختلفة بالأمطار والفيضانات العارمة نتيجة لهذه المنخفضات الجوية والأعاصير الجوية.

