عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
تخيّل أن الحياة مثل لوحة فسيفساء.. كل يوم تضيف فيه قطعة. بعضها لامع، وبعضها باهت، بعضها حادّ، وبعضها مستدير. لكنك في النهاية، أنت من يُقرّر كيف تبدو اللوحة. البعض يرسمها بملامح قاتمة، وآخرون – رغم الألم – يختارون أن يصنعوا منها لوحة تستحق التأمل. هؤلاء هم الإيجابيون، لا لأن حياتهم أسهل، بل لأنهم اختاروا أن تكون رؤيتهم أوسع من اللحظة، وأعمق من الجرح.
في عالم يعجّ بالضغوط، تتسرب الإيجابية من بين أيدينا دون أن نشعر. زحمة الطرق، ضغط العمل، أخبار العالم، قلق المستقبل.. كلها كفيلة بأن تُطفئ شمعة الأمل في قلب الإنسان. لكن، لعل أول مفاتيح الإيجابية أن ندرك أنها لا تسقط علينا من السماء، بل تُزرع بداخلنا وتُروى بالتكرار. فليست الإيجابية إنكارًا للهم، بل مرونة في التعامل معه. هي فن “التأقلم الإيجابي”، لا الهروب ولا التجميل الزائف.
ولأن الكلام سهل، دعنا نكون واقعيين.. كيف يمكن لأي إنسان أن يكون إيجابيًا وهو يمر بأزمة مالية، أو فقد عزيز، أو يخوض معركة داخلية مع الإحباط؟ الحل لا يكمن في إنكار الألم، بل في إدارة المشاعر. ابدأ بالاعتراف: “أنا متعب”، “أنا خائف”، “أنا محبط”، ثم اسأل نفسك: “ما الذي يمكنني فعله اليوم لتحسين وضعي، ولو بدرجة بسيطة؟”
إليك أربع حلول واقعية تُمكّنك من بناء عقلية إيجابية، حتى في قلب العاصفة:
أولًا: مارس الامتنان بوعي.
كل مساء، قبل أن تنام، دوّن ثلاثة أشياء جيدة حدثت لك خلال اليوم، مهما بدت بسيطة. كوب قهوة لذيذ، ابتسامة من عابر سبيل، مهمة أنجزتها. هذه الممارسة البسيطة تغيّر كيمياء الدماغ، وتُدرّبه على رؤية النصف الممتلئ من الكأس.
ثانيًا: أعد تشكيل المواقف بدلًا من التذمر.
هل تأخرت في الترقية؟ بدل أن تقول: “أنا مظلوم”، قل: “ما المهارة التي أحتاج أن أطورها؟”. الإيجابي لا يرى نفسه ضحية، بل طالب معرفة. يُحوّل الموقف من نهاية إلى بداية.
ثالثًا: أحِط نفسك بالأشخاص الذين يرفعونك.
السلبية مُعدية، وكذلك الحماسة. لا تمضِ وقتك مع من يستهينون بأحلامك أو يُشعِرونك بأنك لا تكفي. ابحث عن الداعمين، حتى لو كان شخصًا واحدًا، أو حتى صوتك الداخلي.
رابعًا: امنح غيرك ما تحتاجه.
إن كنت تحتاج إلى التشجيع، شجع غيرك. إن كنت تحتاج إلى الأمل، امنحه. في عالم الطاقة، ما تُرسله يعود إليك. كن سببًا في ابتسامة أحدهم، وستندهش من أثرها عليك.
في بيئة العمل، الموظف الإيجابي ليس بالضرورة الأكثر مرحًا أو الأكثر هدوءًا، بل هو الذي يعرف كيف يواجه الضغط دون أن ينقل توتره للزملاء، هو من يبني لا يهدم، يُقدّم الحل لا الشكوى، ويفكّر بالمصلحة العامة لا الشخصية. وقد رأينا كثيرًا ممن لم يكونوا الأعلى كفاءة لكنهم كانوا الأقدر على صناعة الروح. هؤلاء هم من تلتفت إليهم الفرق، ويُعوّل عليهم القادة.
وأخيرًا، لا تجعل الإيجابية مشروعًا مستقبليًا مشروطًا بزوال الضغوط. لا تقل “سأكون إيجابيًا عندما..” بل قل: “سأكون متوازنًا رغم أن..” هذه الفكرة البسيطة تغيّر منظورك. الحياة ليست مثالية، لكنها قابلة للعيش بجمال، إذا ما قررنا أن نُعيد رسم علاقتنا بها، بأدوات جديدة، ونفسٍ طويل، وعقلٍ لا يسمح للتفاصيل الصغيرة أن تسحب نوره الكبير.
فليكن مرورك في حياة من حولك خفيفًا كنسيم الصباح، عميقًا كالأثر الطيب، إيجابيًا بما يكفي ليقولوا: “كان وجوده فرقًا.”

