بقلم: نهر عبد الوهاب حريري – محاضر بقسم الصحافة الرقمية PNU@
باحثة دكتوراة KSU@
nahrhareeri@
في حوار عفوي مع مجموعة من الشابات من جيل ما بعد الألفية جيل Z، وجدت نفسي أقف أمام مرآة زمنية تعكس ملامح جيل لا يكتفي باستخدام الوسائط، بل يُعيد تشكيلها من الجذور. قالت إحداهن: “ما أحتاج أبحث في جوجل… أكتب في تيك توك ويطلع لي كل شيء “لم تكن جملة عابرة، بل تصريح صادق يكشف عن تحوّل عميق في خريطة المعرفة. لم يعد محرّك البحث هو المتصدر، بل “محرك التمرير” الذي يجمع بين الصورة، والصوت، والمعلومة الفورية المصاغة بلغة الجيل.
ما يثير الدهشة أن الشابات لا يستخدمن تيك توك للترفيه فقط، بل يعتمدنه كأداة رئيسية للبحث عن كل شيء: من مراجعات المنتجات، إلى وصفات الطهي، إلى نصائح الصحة النفسية، وأحيانًا لتعلّم مهارات جديدة في دقائق. يكفي أن تكتبي في خانة البحث: “كيف أرتب يومي كطالبة جامعية؟” لتجدي عشرات المقاطع، قصيرة، ولكنها مركّزة، تعرض التجربة كما هي، دون تنظير أو تكلف.
هنا لا تبحث الشابات عن المعلومة فحسب، بل عن الصوت الذي يُشبههن، الوجه الذي يُشعرهن بالقرب، والأسلوب الذي يُحدث أثرًا سريعًا. إنهن لا يردن موسوعة، بل من تحكي لهن وتشبههن. والأكثر إثارة أن تيك توك لم يعد مجرد منصة لعرض المحتوى، بل أصبح منتجًا له. نشهد اليوم صعود “مسلسلات تيك توك” – حلقات قصيرة، أبطالها من صناع محتوى مستقلين، تُعرض على شكل أجزاء يومية لا تتعدى الدقيقة، لكنها تحمل قصة، وشخصيات، ومواقف درامية.
هذه الظاهرة تعبّر عن نقطة تحول عميقة: لم تعد شركات الإنتاج الكبرى وحدها من تملك حق الحكاية، بل صار الهاتف المحمول منصة كتابة، وتمثيل، وإخراج. الجمهور هنا لا يكتفي بالمشاهدة، بل يُشارك، يُحلل، ويطالب بجزء ثانٍ إن أعجبه ما رأى. جيل Zلا يرى الزمن كما نراه. دقيقة واحدة بالنسبة لهم قد تكون كافية لاختبار فكرة، أو مشهد، أو حتى قصة حب.
إنهم لا يملكون ترف الانتظار، لكنهم يملكون براعة الالتقاط – يلتقطون الجوهر سريعًا، ويعيدون تركيبه بما يناسب لغتهم وحساسيتهم. من هنا، يُعيد تيك توك تعريف مفاهيم مثل “الدراما”، و”الحبكة”، و”المشاهد المؤثرة”. كل شيء يُختصر، لكن لا يُفقد المعنى. بل إن الكثافة نفسها أصبحت سمة جمالية.
وعندما نقول إن تيك توك صار بديلاً عن جوجل، فنحن لا نتحدث فقط عن البحث، بل عن ثورة ناعمة في أنماط التلقي والمعرفة. هذه المنصة تعلّمنا أن الجمهور لم يعد سلبيًا، وأن الفتاة السعودية من جيل Z، لم تعد فقط متلقية، بل مُنتجة للمحتوى، ومُحلّلة له، ومؤثرة فيه.
تيك توك، بهذه الصورة، ليس مجرد تطبيق… بل هو مرآة لحساسية ثقافية جديدة، وإرادة شبابية تُريد أن ترى العالم على طريقتها. في ضوء هذه التغيرات، علينا أن نعيد النظر في مفاهيمنا التربوية والثقافية.
كيف نواكب جيلًا لا ينتظر أن نعلّمه، بل يسبقنا إلى التجربة؟ كيف نكتب له، نحاوره، وننتج له محتوى لا يُشبه الماضي، بل يشبهه هو؟ تيك توك لم يُلغِ المعرفة، بل غيّر بواباتها. والدراما لم تمت، بل استعادت شبابها عبر شاشة الهاتف. جيل Z لا يبحث عن القصص فقط… بل عن صوته داخلها.

