الدكتورة أسماء محمد سعد – استشارية الصحة النفسية والتربية الخاصة والاستشارات الأسرية
تعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم محطة عظيمة مليئة بالدروس النفسية التي تلهم الإنسان في مسيرته الحياتية فهي لم تكن مجرد انتقال جغرافي بل كانت رحلة نفسية وإيمانية تحمل في طياتها الكثير من المعاني التي ترتقي بالنفس البشرية وتزكيها بالصبر والثبات.
ولقد واجه النبي أذى شديدا من قريش، ومع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، بل واجه المحن بقلب راض ونفس مطمئنة مما يعلمنا كيف نصبر في وجه الصعاب وكيف نثبت أمام التحديات النفسية الصعبة.
كما أن الهجرة كانت نموذجا للأمل، فالنبي لم ينظر إلى ما تركه خلفه من بيت وأهل بل نظر إلى المستقبل برؤية المتفائل الواثق في نصر الله وفي بناء مجتمع أفضل وهذا يعطينا طاقة نفسية إيجابية لننظر دائما للأمام ولا نقف عند حدود الألم.
النبي خطط للهجرة بدقة وأخذ بالأسباب رغم أنه نبي مؤيد بالوحي وهذا يغرس في النفس قيمة التوازن بين التوكل والعمل وبين الدعاء والسعي كما أن صحبته لسيدنا أبي بكر الصديق كانت مثالا على أهمية الدعم النفسي فالإنسان في الشدائد يحتاج إلى من يواسيه ويقف معه ويشعره بالأمان مما يعكس قيمة الصحبة الصالحة في تحقيق التوازن النفسي.
ومن المواقف العظيمة موقفه مع سراقة بن مالك حيث وعده بسوار كسرى رغم أنه كان مطاردا في الصحراء وهذا درس في الثقة بالنفس والإيمان بالمستقبل الذي يجب أن يتمتع به كل مؤمن يمر بظروف صعبة.
كما أن التضحية التي قدمها النبي وأصحابه في الهجرة تعلم النفس أن القيم العظيمة تستحق التضحيات الكبيرة وأن الإنسان إذا آمن بهدفه فإنه يتجاوز كل ما يعوقه من آلام ومصاعب كذلك فإن النفس المؤمنة لا تقبل العيش تحت الظلم بل تسعى دائما للحرية والكرامة.
والهجرة كانت تعبيرا عن هذا السعي النبيل للعيش بعزة وحرية ومن دروس الهجرة أيضا أن الخير قد يأتي من قلب المحن فقد كانت مغادرة مكة أمرا مؤلما لكنها فتحت أبوابا جديدة لبناء مجتمع قوي وهذا يعلم النفس أن لا تيأس من البلاء فقد يكون سببا في ولادة أمل جديد.
من دروس الهجرة أيضا أن النبي بدأ بالإصلاح الداخلي قبل أن يبني الدولة فالنفوس كانت تُزكى وتُربى وهذا يؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ من النفس وأن النفس إذا صلحت صلح معها كل شيء كما أن المجتمع المدني الذي نشأ بعد الهجرة كان مبنيا على قيم نفسية مثل المؤاخاة والتسامح والتكافل وكلها مبادئ تغذي النفس وتحقق لها التوازن والاستقرار.
ومن أعمق الدروس النفسية أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدير مواقف الضغط الشديد بهدوء ورباطة جأش مما يعكس أهمية التحكم في النفس وقت الأزمات وهو مهارة نفسية عظيمة يحتاجها كل إنسان في حياته اليومية.
وأخيرا فإن الهجرة تعلم النفس المؤمنة أن العبرة ليست بالمكان بل بالمبدأ، فالنبي ترك بلده لكنه لم يترك رسالته بل حملها بثقة وعمل على نشرها في كل مكان، فالنفس المؤمنة لا تتأثر بالظروف بل تظل ثابتة على الحق ساعية لتحقيق رسالتها، فالهجرة كانت نقطة تحول عظيمة ونموذجا نفسيا راقيا نتعلم منه كيف نواجه الحياة بإيمان وعزيمة وصبر وأمل.

