د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
هذا المقال استكشاف لهوية الإنسان في عصر البيانات، يتساءل: هل (الأنا) هي الجسد؟ أم الدماغ؟ أم مجرد ذكريات يمكن نسخها؟
عبر تجربة خيالية تتداخل فيها الفلسفة بالتقنية، في مختبر بلا اسم، وتحت إضاءة لا تشبه ضوء النهار، يحدث ما لم يكن يجب أن يحدث… ليس لأن قوانين الفيزياء تمنعه، بل لأن الفطرة ترتجف أمامه…!
عالمٌ مجنون، بيديه قفازات من اللامبالاة، يقرر أن يلعب بأقدس ما في الإنسان: (الأنا)…!
تستيقظ… وتكتشف أن جسدك لم يعد جسدك. أنت الآن في جسد دونالد ترامب…؟
تنظر في المرآة، وترى وجهًا ليس وجهك، صوتًا ليس صوتك، وشعرًا أقرب إلى علامة تجارية منه إلى خصلة. تحرك يدك فتستجيب، تتحدث فتفزع، تدق قلبك فتجده ينبض بتوقيع لم تنتخبه، وعبر الغرفة ترى جسدك القديم… واقفًا، لكنه لا يعرفك، لأنه يسكنه شخص آخر، ربما ترامب، وربما لا أحد.
في تلك اللحظة، لا تسأل عن الجراحة، بل عن الحقيقة: من أنت؟
أأنت هذا الجسد الذي فارقك؟ أم هذا العقل الذي بقي معك؟
نظرية الدماغ تجيب بحسم: حيثما ذهب عقلك، تكون أنت.
كنك ترد مترددًا: ما العقل إن لم يذكر من كان؟ وما الجدوى من دماغ يحملني دون ملامحي، دون لمستي، دون خوفي من الظلام؟
ثم يتدخل العالِم مجددًا… ليس ليزرع دماغًا هذه المرة، بل ليزرع احتمالًا آخر…!
في التجربة التالية، لا يُبدَّل شيء من المادة. فقط تُنقل (البيانات).
تُنسخ كل تفاصيل عقلك: ذاكرتك، مواقفك، وجعك، ضحكتك التي لا تشبه أحدًا، سرك القديم الذي لم تخبر به أحدًا… وتُزرع في دماغ ترامب.
وفي المقابل، تُمحى ذاكرته، وتُستبدل بك.
تستيقظ من جديد، وهذه المرة… لست في جسدك، لكنك في العالم، تسكن ترامب، تعيشه، وتتحدث باسمه، بينما كل ما فيك… هو أنت.
إنها ليست عملية تبديل دماغ، بل عملية خيانة هوية.
تُسلب من جسدك، من عقلك، من كل ما تظنه ثابتًا، لتكتشف أن الثابت الوحيد هو الذكرى.
وهكذا، تقول (نظرية البيانات): أنت لست لحمًا، ولا حتى دماغًا… أنت ذكريات.
كل ما يكوّنك يمكن ضغطه في ملف. ويمكن تحميله، نقله، نسخه، بل والتلاعب به.
لكن هل الذاكرة تكفي لتكون أنت؟
ماذا عن الصمت الذي يرافقك في الطريق إلى المنزل؟
ماذا عن الإحساس ببرودة الباب قبل أن تمسكه؟
هل يمكن لذاكرة مزروعة أن تحاكي كل ذلك؟ أم أنها وهم أنيق… مكتمل من الخارج، لكنه مجوّف من الداخل؟
في جسد ترامب، قد تملك قوتك، لكنك لا تملك طريقتك في الأكل.
قد تنطق أفكارك، لكن وجهك سيبتسم كما يشاء الآخر.
تصبح سجينًا في قصر ذهبي، لا نافذة فيه إلا وعيك، ولا حارس إلا ملفاتك.
هكذا، تبدأ الهوية في التبخر.
تتلاشى الذات، وتبقى النسخة.
في عالمٍ تُخزَّن فيه الهويات على خوادم، وتُباع الذكريات كخدمات مدفوعة، تصبح (الأنا) سلعة…!
توقّف عن القول: (أنا أفكر إذًا أنا موجود)… وابدأ القول: (أنا محفوظ إذًا أنا قابل للاسترجاع).
لكن ماذا عن الكذب؟
ماذا عن الذاكرة المصطنعة؟
إذا زرعوا في ترامب ذكرياتك… ثم غيّروا القليل منها، فهل هو ما زال أنت؟
وهل أنت من كنت، إذا لم تعد تملك نسختك الأصلية؟
هنا، لا يعود السؤال فلسفيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا:
من يملك الحق في (أناي) حين تُصبح بيانات؟
من يحمي هويتي حين تسكن في رجل لم يخترها؟
وماذا لو كان (أنت) أكثر من نسخة… وبدأت تتكاثر في أجساد مختلفة؟
في هذه اللحظة، يصبح الوعي نقطة ضعف قابلة للاختراق.
ليست الروح ما يُخشى عليه، بل البصمة المعرفية.
لا يُسرق الإنسان من ماله، بل من ذاته.
وهكذا، في زمن (الدماغ المُبدَّل) و(الوعي المنسوخ)، نعيش مفارقة خفية:
أن يكون ترامب أنت… دون أن تعرف، ودون أن يبقى لك شيء سوى السؤال:
هل ما زلت أنا؟
أم أنني مجرد ملف يعيش في رجل لا يشبهني، ولا يعرف حتى من يكون؟

