د. أماني بنت أحمد العقالي
إدارة تعليم الرّياض
دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
مهتمة بسياسات الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة في التعليم
يشهد البحث العلمي في العصر الراهن تحولات جوهرية نتيجة التطور السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث أصبح لهذه الأدوات حضور فعّال في مختلف مراحل البحث، من تصور الفكرة إلى تحليل البيانات، وانتهاءً بكتابة النتائج والتوصيات. هذا الحضور التقني، وإن كان يحمل بين طياته إمكانات هائلة في تسريع البحث العلمي، إلا أنه يطرح في المقابل تساؤلات عميقة حول أخلاقيات الاستخدام وحدود المشروعية في الاستفادة من هذه الوسائل. إن الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يتيح فرصًا مبتكرة، فإنه يفرض مسؤوليات جديدة على الباحثين، تتجاوز مجرد الإتقان المهني إلى الالتزام القيمي والإنساني في التعامل مع المعرفة.
في هذا السياق، تتبلور الحاجة إلى إطار أخلاقي يوجّه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي، بحيث يُركّز على الشفافية في التوليد والتحليل، والحفاظ على سرية وخصوصية البيانات، هذه التحديات ليست افتراضية أو نظرية، بل هي واقعية وتحدث فعليًّا في ميادين متعددة من البحث العلمي، مما يستدعي وقفة نقدية لهذه التطبيقات من حيث ضبطها ضمن أطر معرفية وأخلاقية واضحة. من هنا، يظهر دور الباحث لا كمستخدم فقط، بل كمراقب ناقد وفاعل أخلاقي يسعى للحفاظ على مصداقية نتائج البحث العلمي.
كما أن الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي دون رقابة أو توثيق قد يقود إلى إخلال بمبدأ الأمانة العلمية. فقد لوحظ في بعض البيئات البحثية أن النتائج الناتجة عن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تتضمن معلومات زائفة أو غير دقيقة، مما يهدد مصداقية الدراسات المعتمدة عليها. كما أن الإفراط في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التلخيص وإعادة الصياغة من دون إشارة واضحة للمصدر الأصلي يؤدي إلى الانتحال العلمي.
وتتضاعف هذه التحديات عندما نأخذ في الاعتبار التحيزات الخوارزمية للذكاء الاصطناعي التي قد تؤثر في النتائج ممّا يجعل من الصعب تفسيرها.
من هُنا برزت الحاجة إلى حوكمة واضحة تُعنى باستخدام الذكاء الاصطناعي في الأوساط البحثية، وقد بدأت مؤسسات علمية ومجلات محكّمة بتبني سياسات تفرض على الباحث الإفصاح عن أي استخدام لهذه الأدوات في البحث العلمي المنشور، مع توضيح طبيعة الأداة المستخدمة، ومجال استخدامها، وتأثيرها المحتمل على مضمون الدراسة.
ولا يُسمح باعتبار هذه الأدوات كمؤلف أو شريك في الإنتاج العلمي، بل يُنظر إليها كوسائل مساعدة تتطلب توثيقًا دقيقًا ومسؤولية واضحة. وقد أوصت لجنة أخلاقيات النشر (COPE) بضرورة تضمين توثيق تقني مرفق يوضح جميع الأوامر المستخدمة مع نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، من أجل تمكين المحكمين من تقييم مدى تأثير تلك الأدوات على البحث العلمي المنشور.
من جهة أخرى، فإن الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يُنظر إليه كبديل عن الباحث، بل كوسيلة تكميلية تعزز من قدرات الباحث، وتفتح له آفاقاً جديدة من الفهم والإبداع. إن العقل البشري يبقى القادر الوحيد على استخلاص المعاني العميقة التي تتجاوز قدرة الخوارزميات، وأنّ العلاقة المثلى بين الباحث وأدوات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون علاقة تكامل لا استبدال، قائمة على وعي أخلاقي عميق، ونزاهة فكرية راسخة.
في الختام، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي هو طريق نحو المستقبل إذا أُحسِن استخدامه وتوظيفه، وجُعل من الأخلاقيات بوصلته ومن النقد العلمي منهجه. فلا يمكن للابتكار أن يزدهر في فراغ قيمي، ولا يمكن للعلم أن يتقدم بمعزل عن الأمانة العلمية.

