وليد بن خالد الدلبحي – مستشار قانوني
في حقل الحياة الإنسانية، حيث تتداخل خيوط القيم والعادات والنظم كنسيج معقد، وتتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في نسيج شائك، ذلك الحقل الذي تتشابك فيه مصائر الأمم وتتداخل فيه مصالح الأفراد، تبرز الثقافة القانونية حجر زاوية في بناء مجتمع واعٍ ومنظم، وكشمس تُنير زوايا الظلام، وتُذكر البشر بأن العدل ليس مجرد شعار نظري، بل هو روحٌ تسري في عروق المجتمع، ونبضٌ يحيي القلوب قبل أن يُضبط السلوكيات.
القانون ليس مجرد قوالب جامدة أو نصوص صماء، بل هو روح تسري في أوصال المجتمع، وعصب يقيم كيانه، فالثقافة القانونية ليست ترفا فكريا أو محض زينة تثقل بها الأذهان، بل هي ضرورة اجتماعية، وحتمية مجتمعية، تتجلى في بناء الفرد وتوعية المجتمع، ليست الثقافة القانونية مجرد معرفة بالقوانين والأنظمة، بل هي بناء ذاتي متكامل ينطلق من المعرفة الراسخة المتجددة، والفهم العميق المُتجذر، لبناء وعي ثقافي قانوني رصين، ينطلق من أصول ثابتة، ومعارف أصيلة، ليخوض غمار ثقافة متجددة تفاعلية مع واقع الحياة المعاش.
الثقافة القانونية هي تلك التي تؤمن للفرد والمُجتمع قدرة على فهم الحقوق ومعرفة الواجبات، وهي المرآة الصافية التي تعكس مدى نضج الوعي المدني وقوة الانتماء الوطني، حيث يتحول القارئ إلى مُستكشف في غابات النصوص النظامية، ينقضُّ عليها كباحثٍ عن كنز الحكمة، مُحللاً كتب الشروح كفنان يُعيد تركيب لوحةٍ متناثرة، ليعُود إلى زمنٍ صيغت فيه الأنظمة والقوانين، ليتعرف على عقول واعية، وشخصيات أثرت في مسيرة التاريخ.
وحين يتأمل الباحث القانوني والقارئ النهم والمحامي والقاضي التعديلات الحديثة على نظام الشركات، ويدرسها دراسة متأنية ويمعن النظر فيها بعقلية القانوني الواعي، متأملا فلسفة التشريعات الاقتصادية، وتاريخ القوانين التجارية المقارنة، فقد أضاف لمهاراته خصلة إبداع وابتكار، فيصير بها مجدداً في عالم الثقافة القانونية.
الثقافة القانونية ليست بمعزل عن الثقافة العامة، بل هي جُزء لا يتجزأ منها، فهي عمودها الفقري الذي يحفظ لها استقامتها، فإن الإنسان البسيط بمعرفته الأنظمة الحاكمة على نواحي الحياة، وأنها ليست حكراً على أهل الاختصاص، بل هي واجب كل مواطن يبتغي لنفسه ولمجتمعه السلامة والرشاد، علم أن الاطلاع عليها لا بصفتها أحمالاً ثقيلة على العقل، بل كوثائق حية تروي قصة تنظيم الحياة، وتضبط موازين الحق والعدل.
كانت تلك شرارة تكفي للمضي في بناء وعي مُجتمعي مُتزايد؛ فالشغف للمعرفة والعلم أعظم وسيلة في إدراك البناء الثقافي، وفي عمق هذا المفهوم يتجلى البناء الذاتي للوعي القانوني، الذي لا يُختزل في الاطلاع على النصوص مجردة، بل يتعداه إلى استحضار روح النص وتطبيقه وفق مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، وبهذا تصبح الثقافة القانونية شجرة راسخة الجذور، يظل قارئها متعطشاً لغصونٍ جديدة من المعرفة المستنيرة.
أما بالنسبة للقانونيين، فالثقافة القانونية ليست مهنة، بل رسالة، فهي تميز المحامي المتقن المتفنن، وتجعل القانوني المبدع سفيراً للعدل في عالم يتقلب بين الانفتاح والتصلب، بالنظر في التطورات التشريعية العالمية، والمقارنة بينها، فالثقافة القانونية، فرحلة العلم والتعلم والمواكبة المستمرة للأنظمة والقوانين مطلب أصيل، وجهد ذاتي لا يثمر فقط في تعزيز الوعي القانوني لدى الفرد، بل يمتد ليسهم في بناء شخصية قانونية واعية، قادرة على التعامل مع التحديثات القانونية بثقة واقتدار، واصلاً أثره للمجتمع من حوله، مؤثراً ومتأثراً.
وفي رحلة البناء الذاتي للثقافة القانونية، تشكل القراءة والاطلاع البناء العميق للذهنية القانونية، فالأنظمة والقوانين هي الإطار الذي يحكم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والدول، ومن هنا تأتي أهمية الاطلاع عليها ومواكبة الجديد والمستحدث منها، لفهم كيفية عملها وتطبيقها، فحين يتعمق الباحث في نظام المعاملات المدنية يدرك أهمية تعاملاته المالية مع الآخرين، ويحرص على معرفة حقوقه، ويتجاوز العقبات التي قد يقع فيها جهلا أو عدم إدراك ووعي.
وإذا اطلع على نظام الإجراءات الجزائية عرف حقوقه وما ينبغي له أن يطالب به أو يرفضه وهو من حقوقه أو مستساغ طلبه في النظام، فهو لا يتوقف عند الكلمات المنصوصة بل ينشر جناحيه في فضاء الأسانيد القانونية، والفقه المقارن لتبرز لديه فكرة “المسؤولية التضامنية”، و”الضابط التشريعي”، و”العقد المجرد”، “النظام الجنائي أو الجزائي”، “مبدأ البراءة الأصلية” إن لهذه المصطلحات القدرة على رسم معالم فلسفة القانون في ذهن القارئ وتوجيهه نحو صياغة أدق للأسئلة الحقوقية.
ولا تكتمل تجربة الباني القانوني من دون الرجوع إلى كتب الشروح القانونية، حيث تُحلل بنية النص وتنكشف إمكانيات تأويله وتطبيقه، فالمحامي الطموح يتجاوز مجرد نقل الحكم القضائي ليستكمل الصورة عبر قراءات في فقه الأداء والمحاكم، مستلهما روح العدل من عبارات “النسق القانوني”، و”الملمح العقدي”، هنا يبتدّئ جهد البحث العلمي في صقل العقل القانوني، وهو ما يجعل القارئ المتخصص أرضا خصبة لإنتاج أفكارٍ مبتكرة.
ويُعد الاطلاع على كتب القانونيين الكبار ركيزةً أساسيةً لا غنى عنها للمحامي والقانوني، وعماداً لا يلين في بناء الثقافة القانونية الراسخة، فالقانون هو منظومة حية تتطور وتتفاعل مع مستجدات الحياة، ولا يمكن فهم جوهرها إلا بالتعمق في فكر أساتذة وفحول القانون الذين صاغوا مبادئه، وارسوا دعائمه، وشرحوا دقائقه، فقراءة كبتهم بمثابة العودة إلى الينابيع الصافية التي ارتوى منها الفكر القانوني، هؤلاء العلماء لم يكتفوا بسرد النصوص، بل قاموا بتحليلها، وتأصيلها وربطها بالسوابق القضائية والفقهية، مما يمنح القارئ فهما عميقاً لفلسفة القانون وغاياته، ومن أبرز هؤلاء الأعلام:
– عبدالرزاق السنهوري: أستاذ القانون المدني في العالم العربي، ومن يطلع على موسوعته القانونية المذهلة “الوسيط في شرح القانون المدني”، لعلم أنها ليست مجرد شرح للمواد، بل هي بحر زاخر من التحليل المقارن، والتأصيل التاريخي، والاجتهاد الفقهي، إن قراءة السنهوري تمنح القانوني القدرة على التفكير المنهجي، وتعلمه كيفية استنباط الحلول القانونية من أصولها وجذورها، فالسنهوري لا يكتفي بعرض الرأي مجرداً، بل يقدم الأدلة والحجج، ويُقارن بين المذاهب الفقهية والقوانين المختلفة، مما يثري الفكر القانوني للقارئ ويوسع مداركه.
– محمود نجيب حسني: من رواد الفقه الجنائي، واحد أبرز أساتذة القانون في مصر، تكمن أهمية كتابات الدكتور محمود في العمق والتأصيل العلمي، فلا تقتصر كتابته على مجرد الشرح السطحي للنصوص القانونية، بل تغوص في أعماق المبادئ النظرية للقانون، وتقدم تأصيلا علمياً وفقهياً لكل مسألة، فهو يُحلل الأفكار، ويناقش الآراء المختلفة، ويُقدم حججه وبراهينه بأسلوب منهجي دقيق، وهذا يُساعد القارئ على فهم “لماذا” وراء القانون، وليس فقط “ما هو” القانون، كما تتميز كتاباته بالشمولية في تنازع الموضوعات، حيث يُقدم تحليلا مقارناً بين التشريعات العربية والقوانين الغربية، مما يُمكن من فهم التطورات القانونية العالمية والاستفادة من التجارب المختلفة، ففي كتابه “النظرية العامة للقصد الجنائي”، يقدم الدكتور دراسةً تأصيليةً مقارنة للركن المعنوي في الجرائم العمدية، مما يُثري فهماً دقيقاً وعميقاً لهذا المفهوم المعقد.
إن القراءة لهؤلاء العمالقة وغيرهم من كبار القانونيين تُمكن من فهم السياق التاريخي لتطور التشريعات، وتُكسب ملكة التأصيل، وتدرب على كيفية التعامل مع المسائل القانونية المستجدة برؤية عميقة ومستنيرة، كما تُعد هذه الكتب المرشد الأمين للمحامي والقانوني في متاهات النصوص القانونية، فمعظم القوانين على الرغم من وضوحها الظاهري، إلا أنها تحتوي على دقائق وتفصيلات قد لا تُفهم إلا من خلال الشرح والتأويل.
القراءة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لصياغة الفكر وبناء الضمير الحي، فالقراءة المستمرة والمتعمقة لهذه المصادر والكتب تعزز من القدرة التحليلية لدى الباحث الجاد، فتمكنه من فهم النصوص القانونية بعمق، وتحليلها، وهي مهارات لا تُكسب إلا بالممارسة والتأمل لهذه الكتب والحرص على مراجعتها المستمرة، كما أنها تنمي ملكة الاستنتاج والاستنباط، فالقانوني المتمكن هو من يستطيع استنتاج الحلول القانونية لمشكلات لم يُنص عليها صراحة في القانون، بالاستناد الى المبادئ العامة والقواعد الكلية، كما أنها تمكنه من الإبداع القانوني بفهم أصول القانون وفروعه، وتمكنه من إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات القانونية المستعصية، وصياغة عقود أو لوائح بطرق تخدم موكليه على افضل وجه.
فالثقافة القانونية بحاجة دائمة إلى إثراء المحتوى القانوني، بكل قديم أصيل، وجديد مستحدث، فثقافة القانوني تجمع شتات العلوم والمعارف التي يحتاجها في في مسيرة بنائه الثقافي، لتزداد قدرته على الابتكار وصياغة الحجج المحكمة، وتكوين العقلية القانونية الرصينة.
ختاماً، إن الثقافة القانونية ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي بناء فكري ومنهجي يُصقل بالمطالعة الدائمة لأعمال عظماء القانون واساتذته، وهي الزاد الذي لا ينضب للمحامي والقانوني في رحلة البحث عن العدل وإقامة الحق، وهي بمثابة اللوح المرآتي لعقل واعٍ ونظام متكامل، يبنى أساسه من خلال القراءة والاطلاع والبحث الدؤوب، ويترسخ عبر نشر الوعي في المجتمع لتكوين ثقافة قانونية مجتمعية عامة، تقودنا جميعا نحو غدٍ يرتكز على العدالة وسيادة القانون.
والمتأمل في مضامين رؤية المملكة 2030 يجد أنها لم تكتفِ بأن تكون خريطةً اقتصادية أو وثيقة إصلاحية فحسب، بل جاءت رؤيةً شاملة تُعنى بترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وتؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تستقيم إلا على قواعد العدالة الراسخة، والتنظيمات المتجددة، ولعل أبرز ما يميز النماء القانوني الأصيل الذي تدعو إليه الرؤية هو الجمع بين الأصالة والمعاصرة، أي أن نبني على جذورنا الشرعية المستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء، ونطور في الوقت ذاته منظومة قانونية حديثة تواكب روح العصر وتطلعات الاقتصاد العالمي، بما يناسب خصوصية المملكة ودستورها وسيادتها.
والمتأمل لتحديثات الأنظمة كنظام المرافعات الشرعية، ونظام الشركات، ونظام المحاكم التجارية، وغيرها، أو إصدار أنظمة جديدة كنظام المعاملات المدنية، يرى الهدف الأسمى في رفع كفاءة القضاء، وتحقيق بيئة استثمارية جذابة، ومعالجة كافة جوانب الحياة، وترسيخ مبادئ العدل والمساواة بين الجميع.

