خاص – الوئام
على ضفاف التاريخ، تنبض جدة القديمة بحياة جديدة، حيث تلتقي الحجارة العتيقة بلمسات الحاضر، وتنبعث من الأزقة عبق الحكايات.
هنا، لا يُرمَّم جدار فحسب، بل تُستعاد روح، وتُصاغ ذاكرة وطن في تفاصيل الأبواب والنوافذ، وتُحاك من التراث خيوط المستقبل. إنها جدة التاريخية، وقد عادت تنبض، بقيادة رؤية طموحة، ويد تُعيد الحياة للجميل المنسي.
إحياء جدة التاريخية
ضمن جهود “إعادة إحياء جدة التاريخية”، شهد عام 2024 ترميم 27 مبنى تاريخيًا وتأهيل 10 أخرى، مع إنقاذ 39 مبنى إضافيًا من الاندثار.
ولم يقتصر العمل على الصيانة بل تعدّاه إلى إعادة ضخ الحياة في تلك الأماكن عبر تحويل 34 مبنى إلى فنادق تراثية، افتُتح منها 3 حتى الآن، تمزج بين الفخامة والأصالة.
اكتشافات أثرية
كشفت أعمال التنقيب الجارية في مسجد عثمان بن عفان، أحد أقدم المساجد في جدة التاريخية، عن مكتشفات أثرية نادرة تمثلت في قطع خشبية تعود إلى القرن الأول الهجري، إلى جانب وعاء خزفي دقيق الصنع يُقدّر تاريخه بالقرن الثالث عشر الميلادي. وتُعد هذه الاكتشافات دليلاً جديدًا على عراقة المدينة ودورها المركزي في التاريخ الإسلامي.
تأتي هذه الاكتشافات ضمن مشروع ترميم وتأهيل معالم جدة التاريخية، والذي يهدف إلى إحياء الطابع التراثي للمدينة والحفاظ على هويتها المعمارية والثقافية. وأكد علماء الآثار أن القطع الخشبية قد تكون جزءًا من بنية المسجد الأصلية، مما يجعلها من أقدم العناصر المعمارية الإسلامية المكتشفة في المنطقة.
بحيرة الأربعين
شهدت بحيرة الأربعين تحولًا كبيرًا بعد الانتهاء من المرحلة الأولى من مشروع الواجهة البحرية، استعدادًا لربط البحر مجددًا بميناء البنط التاريخي.

كما أُنشئت مساحات خضراء على امتداد 90 ألف متر مربع، وشُغّلت 110 معدة لخدمة نطاق 6 كيلومترات مربعة بهدف تحسين جودة الحياة وتعزيز التميز التشغيلي.
نهضة ثقافية في قلب جدة
من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، إلى متحف teamLab ومركز الفنون المسرحية، مرّت جدة بعام ثقافي استثنائي. كما افتُتح المعهد الملكي للفنون التقليدية ومتجر ومقهى “إرث”، في تجارب تمزج بين التقاليد والمستقبل، وتُعيد تشكيل ملامح المدينة كمركز للفن والثقافة والهوية.
وفي قلب هذا التحول، جاء تأسيس مركز الفنون الأدائية ليُوفّر فضاءً للعروض المسرحية والموسيقية، جامعًا بين الإبداع المحلي والعالمي. كما افتُتح المعهد الملكي للفنون التقليدية ليُعيد الاعتبار للحِرَف السعودية التراثية، مع التركيز على توثيقها ونقلها للأجيال الجديدة بوسائل حديثة.
شراكات استراتيجية
في خطوة نوعية لترسيخ مكانتها كمقصد سياحي وثقافي عالمي، شهدت جدة التاريخية توقيع 6 اتفاقيات تطوير استراتيجية، تهدف إلى تعزيز البنية التحتية، وإحياء المباني التراثية، وتحسين تجربة الزائر عبر دمج التقنيات الحديثة بالحفاظ على الطابع المعماري الأصيل.
وشكّل إطلاق الموقع الإلكتروني التفاعلي علامة فارقة في تجربة الزوار، حيث يوفّر معلومات غنية وخرائط ديناميكية وجولات افتراضية، ما جعل من زيارة المنطقة تجربة رقمية متكاملة تعكس رؤية السعودية في تحويل وجهاتها التراثية إلى منصات ذكية.
مبادرات ثقافية في جدة
في إطار الجهود الرامية إلى غرس الوعي التراثي لدى الأجيال الجديدة وتعزيز روح الهوية والانتماء الوطني، تم تنظيم أكثر من 140 رحلة تعليمية ميدانية لطلاب المدارس والجامعات، شارك فيها نحو 2100 طالب وطالبة، حيث أتيحت لهم فرصة التفاعل المباشر مع معالم جدة التاريخية واستكشاف موروثها المعماري والثقافي العريق.
ولتسهيل تجربة الزائر وتعزيز معرفته بالمنطقة، جرى توزيع 500 ألف نسخة من خريطة الزائر التفاعلية، التي ساهمت في توجيه الزوار وإثراء تجربتهم من خلال تقديم معلومات دقيقة حول المواقع التراثية والمرافق والخدمات.
وقد انعكست هذه المبادرات والجهود المتكاملة في استقطاب أكثر من 5.7 ملايين زائر إلى جدة التاريخية خلال عام واحد، من بينهم 2.5 مليون زائر خلال موسم رمضان 2024 وحده، مما يعكس الدور المتنامي للمنطقة كوجهة تراثية وثقافية رائدة على مستوى المملكة والمنطقة.

