خاص – الوئام
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، بات واضحًا أن الكرملين لا يتعامل مع النزاع كأزمة عابرة، بل كحرب وجودية تستدعي إعادة هيكلة كاملة للدولة.
التوجه الروسي اليوم يتجاوز مجرد العمليات العسكرية على الأرض، ليشمل تعبئة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة، تُنذر بمواجهة طويلة الأمد مع الغرب. تصريحات قادة الاستخبارات الأوكرانية والبيانات الرسمية الروسية تعكس ملامح مشروع حربي ضخم لم تشهده روسيا منذ تفكك الاتحاد السوفييتي.
برنامج دفاعي غير مسبوق
كشف كيريل بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، أن روسيا رصدت ميزانية ضخمة للدفاع تقدر بـ1100 مليار دولار حتى عام 2036، في إطار ما وصفه بـ”الاستعداد لحرب شاملة محتملة”. وأشار إلى أن هذا البرنامج هو الأكبر في تاريخ روسيا المعاصر، مؤكّدًا وجود “تعبئة شاملة للسياسة والاقتصاد والمجتمع” استعدادًا لهذه المرحلة.
اللافت في تصريحات بودانوف هو تأكيده على خطط روسية لإنشاء وحدات عسكرية جديدة ومناطق عمليات عسكرية إضافية، ما يعكس توجهًا بنيويًا لتحويل روسيا إلى دولة في حالة تعبئة دائمة، لا مجرد رد فعل على حرب حالية.
انفجار في ميزانية الدفاع 2025
بحسب مشروع قانون المالية الروسي لعام 2025، سترتفع ميزانية الدفاع بنسبة 30% لتصل إلى 13.500 مليار روبل (نحو 130 مليار يورو). هذا الارتفاع يأتي بعد قفزة بنسبة 70% عام 2024، حيث بلغت نفقات الدفاع والأمن نحو 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة غير مسبوقة في روسيا الحديثة.
ووفق ما نشرته صحيفة لوفيجارو الفرنسية فإن الرئيس فلاديمير بوتين أكّد هذه الأرقام بنفسه، موضحًا أن بلاده تعتبر هذه النفقات أولوية استراتيجية في ظل التهديدات الأمنية المتصاعدة، في إشارة واضحة إلى أن الحرب الأوكرانية ليست محطة مؤقتة بل مسار استراتيجي طويل الأجل.
الاقتصاد الروسي
منذ 2022، تحوّل الاقتصاد الروسي بشكل تدريجي إلى اقتصاد حرب، مع توجيه الاستثمارات نحو الصناعات العسكرية وتوظيف مئات الآلاف من العمال في هذا القطاع. التوسع السريع للمجمع الصناعي العسكري الروسي يُظهر أن موسكو لا تستعد فقط للقتال الحالي، بل تبني قدراتها لحروب مستقبلية محتملة.

في سبتمبر 2024، شدد بوتين على أن “تعزيز القدرة الدفاعية ودمج المناطق الأوكرانية المحتلة” يمثلان أولويات قصوى. هذه التصريحات تؤكد أن القيادة الروسية تنظر إلى الصراع باعتباره مكونًا أساسيًا في مشروعها الوطني الجديد.
كفة الأمن تطغى
التحول الكبير في توزيع الميزانية الفيدرالية الروسية يعكس هذا التوجه. فالنفقات الدفاعية في عام 2025 ستمثل ما يقرب من ثلث إجمالي الميزانية، أي أكثر من ضعف ما يُنفق على السياسة الاجتماعية. أما ميزانية الأمن الداخلي، التي تشمل الشرطة وأجهزة الاستخبارات ومؤسسات القمع الداخلي، فستبلغ نحو 3460 مليار روبل (33 مليار يورو)، ما يعادل 10% من الإنفاق السنوي.
بهذا، يصل مجموع ما تُنفقه روسيا على الدفاع والأمن الداخلي إلى 40% من الميزانية الفيدرالية، من دون احتساب الاستثمارات السرية، ما يشير إلى عسكرة متسارعة لاقتصاد الدولة ومؤسساتها.
نحو صراع طويل الأمد مع الغرب
كل المؤشرات تؤكد أن موسكو تستعد لصراع طويل الأمد، ليس فقط مع أوكرانيا، بل مع الغرب بأكمله. التحول في البنية الاقتصادية، وتصريحات القيادات، والميزانيات الفلكية كلها تؤكد أن روسيا تتحول تدريجيًا إلى دولة “مُحاربة”، لا تتعامل مع الحرب كاستثناء، بل كحالة دائمة.
هذا الواقع يفرض تحديات كبرى على الجوار الأوروبي، وعلى الناتو، ويعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية في السنوات المقبلة. ويطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الروسي على تحمل هذا العبء الهائل، خاصة في ظل العقوبات الغربية المستمرة.

