في ظل ما يشهده العالم من تحوّلات اقتصادية وصحية متسارعة، تبرز المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية تعيد تشكيل موقعها ليس فقط في سوق النفط، بل أيضًا على خريطة الصناعات الدوائية والرعاية الصحية العالمية. ومع اشتداد التنافس الجيوسياسي على تقنيات الصحة، والأدوية الحيوية، وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، تتحرك الرياض ضمن رؤية 2030 نحو إعادة بناء منظومة صحية متكاملة، متجاوزة مرحلة الاعتماد على الاستيراد، ومقتربة من موقع المصنع والمصدّر.
الاستثمار السعودي في الصحة والدواء لم يعد مجرد خيار داخلي لتحسين الخدمات، بل أصبح أداة ناعمة لقوة إقليمية تصوغ نفوذها على أسس المعرفة والتكنولوجيا والاكتفاء الذاتي.
أسواق الشرق الأوسط تتوسع والسعودية تقود
شهدت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا نموًا ملحوظًا في مبيعات الأدوية، حيث ارتفعت من 24.2 مليار دولار عام 2020 إلى 29.5 مليار دولار في 2023، مع توقعات بتجاوز 32.6 مليار دولار في 2024. السعودية كانت المحرك الرئيسي لهذا النمو، إذ قفزت حصتها من 8.7 إلى 11.6 مليار دولار خلال نفس الفترة.
هذا الصعود يعكس الطلب المتزايد في السوق السعودي نتيجة لتحسن مستويات المعيشة وازدياد القدرة الشرائية، وهو ما يتكامل مع سياسات الدولة في دعم القطاع الصحي كأولوية استراتيجية. في المقابل، دول مثل الإمارات وجنوب إفريقيا والجزائر تواصل توسعها، وإن كان من قاعدة أقل.
القطاعات العلاجية
في عمق السوق السعودي، تشير التقديرات إلى أن أكبر خمس فئات علاجية ستنمو من 3.8 مليار دولار في 2019 إلى 5.6 مليار دولار بحلول 2026، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.5%. الأدوية العامة وحدها ستتجاوز 2.8 مليار دولار، يليها قطاع الصحة الاستهلاكية عند 750 مليون دولار، مدفوعًا بانتشار الوعي بالوقاية والتغذية الصحية.
أما المجالات التخصصية مثل الأمراض الجلدية والهضمية والعيون، فتنمو بوتيرة مستقرة (5-7% سنويًا) بفعل تغير أنماط الحياة الحضرية وتزايد الطلب على علاجات الحساسية والأمراض المزمنة.
المناقصات الحكومية: ميدان التنافس الحاد
تبلغ قيمة سوق المناقصات العامة للأدوية حوالي 5.6 مليار دولار، ما يجعله من أكثر مسارات التوريد تأثيرًا في المشهد الدوائي. وتتصدر الشركات العالمية “حكمة” و”سانوفي” هذا المجال بحصة 9% لكل منهما، تليهما الشركات الوطنية “سبيماكو” (8%) و”تبوك للأدوية” (7%).
وفي حين تحتفظ شركات كبرى مثل فايزر ونوفو نورديسك ونوفارتس بحصص تتراوح بين 5 و6%، فإن شركات محلية أصغر مثل “جمجوم فارما” بالكاد تصل إلى 1%، مما يعكس فجوة يمكن استغلالها من قبل المصنعين المحليين لتوسيع نطاق إنتاجهم بما يتناسب مع مواصفات السوق الحكومية.
خريطة الإنتاج المحلي تتسع
أكثر من 2,100 صنف دوائي مسجّل محليًا يشير إلى تنامي القدرة الإنتاجية داخل المملكة. تتصدر “الصناعات الدوائية المتقدمة” (PSI) المشهد بنسبة 21% من إجمالي الإنتاج، تليها “تبوك” (18%) و”سبيماكو” (15%). أما “جمجوم”، و”الرياض فارما”، و”الجزيرة فارما”، فتتوزع بينها نسب 8–9%.
هذا التوسع لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى حوافز حكومية ضمن برامج وزارة الصناعة، هدفها رفع المحتوى المحلي، ودعم الابتكار، وتعزيز التصدير، خاصة في ظل إطلاق “الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية”.
محركات النمو تتقاطع: إصلاح وتمويل وتقنية
تتقاطع عدة عوامل لتعزيز قوة القطاع الصحي والدوائي: من إصلاحات تمويل الرعاية الصحية، إلى التحفيزات الصناعية، ووصولًا إلى تبني الرقمنة الطبية مثل الوصفات الإلكترونية والاستشارات عن بُعد. ورغم تحديات ارتفاع التكاليف والأمراض المزمنة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الطريق ممهّدة أمام شركات محلية ودولية للنمو، خاصة في مجالات العلاجات البيولوجية والأدوية الموجهة والمنتجات الوقائية.
بكلمات أخرى، يتحول النظام الصحي السعودي من منظومة تعتمد على الاستيراد إلى منظومة تملك أدواتها، وتبني تدريجيًا نموذجها الخاص في التصنيع والتصدير.
مستقبل إقليمي مرشح للهيمنة الصحية
مع سوق داخلي واسع، وبنية تحتية متطورة، وسوق مناقصات حيوي، تبدو السعودية مرشحة لتكون المحور الإقليمي في مجال الصناعات الدوائية والرعاية الصحية بحلول نهاية العقد. السياسات المنفتحة على الاستثمارات الأجنبية، والتوسع في التعليم والبحث الطبي، يعززان هذا الطموح المشروع.
“قفزة السعودية الدوائية” لم تعد مجرد شعارات ضمن رؤية 2030، بل أصبحت حقيقة واقعة في المختبرات والمصانع والمستشفيات. ومع استمرار التنفيذ، فإن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو أن تصبح مصنع الدواء العربي والعالمي.

