خاص – الوئام
عندما تولّى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منصبه في يناير، وعد بتغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة تجاه أوروبا وحلف الناتو.
ومع مرور ستة أشهر فقط، بدأ واضحًا أن هذه التغييرات لم تُحقق بالشكل الكافي. كانت الفكرة الأساسية للإدارة الجديدة ترتكز على مبدأ “نقل العبء الدفاعي” إلى أوروبا، وقد عبّر وزير الدفاع بيت هِغسِث عن هذا النهج حين صرّح أن على الدول الأوروبية تحمّل المسؤولية الأساسية عن الدفاع عن قارتها.
جزء من هذا التحول ظهر في قرار تسليم قيادة “مجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا” إلى الأوروبيين، ما أرسل إشارة واضحة بأن واشنطن تريد من أوروبا أن تقود جهود تسليح كييف بنفسها.
القلق الأوروبي
مع بدايات إدارة ترامب، أثيرت تساؤلات حادة في دوائر السياسة الخارجية بشأن نية الرئيس سحب بعض من الـ20 ألف جندي الذين أرسلهم الرئيس بايدن إلى أوروبا بعد الهجوم الروسي لأوكرانيا في 2022. حتى فكرة تعيين قائد أوروبي لحلف الناتو طُرحت، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تحميل الأوروبيين مسؤوليات عسكرية أكبر.

الخوف الأوروبي كان واضحًا. على سبيل المثال، صرّح المستشار الألماني الحالي فريدريش ميرتس قبل تولّيه المنصب بأنه يجب على الأوروبيين الاستعداد لاحتمال تخلّي ترامب عن التزامات الدفاع المشترك، داعيًا إلى بناء قدرة دفاعية ذاتية للقارة.
الاستجابة الأوروبية
زيارة إلى بروكسل في أبريل عززت الانطباع بأن سياسة ترمب بدأت تؤتي ثمارها. مسؤولون في الناتو أكدوا أن أهداف القدرات الجديدة تعكس نية أوروبية لتحمّل عبء الدفاع. كما أشار مسؤولو الاتحاد الأوروبي إلى “الورقة البيضاء الدفاعية” وخطة “إعادة تسليح أوروبا”، التي خصصت مئات المليارات من الإعفاءات المالية ضمن “ميثاق الاستقرار والنمو”، إلى جانب تمويل مباشر يصل إلى 150 مليار يورو لشراء أسلحة إضافية.
وأكد المسؤولون الأوروبيون أن هذه الإجراءات ما كانت لتحدث دون سياسة ترامب في ملف أوكرانيا وأوروبا، مما أعطى انطباعًا بأن الأمور تتحرك بسرعة. وفق ما نشرت مجلة فورين بولسي الأمريكية.
التراجع الأمريكي
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبدو أن إدارة ترامب بدأت تكتفي بتعهّدات مكتوبة حول الإنفاق الدفاعي بدلًا من تنفيذ تغييرات حقيقية على الأرض مثل سحب القوات. وهذا تراجع خطير، لأن مجرد بقاء 90 ألف جندي أمريكي في أوروبا يمنح الأوروبيين شعورًا بالأمان، ويقلل حوافزهم لزيادة الإنفاق الدفاعي.
ببساطة، طمأنة الأوروبيين إلى الالتزام الأمريكي تعني أنهم أقل ميلاً لتحمل العبء بأنفسهم، وهو ما يناقض هدف “أمريكا أولًا”.
تعهدات لاهاي
ركزت الإدارة على إعلان قمة لاهاي بعد اجتماع الناتو في يونيو، والذي تضمن التزام الدول الأعضاء بإنفاق 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع و1.5% على البنية التحتية الدفاعية بحلول عام 2035.
لكن هذه الأرقام تظل وعودًا بعيدة المدى، لا يمكن الاعتماد عليها لتنفيذ تغييرات فورية. فالمسؤولون الأوروبيون الحاليون لا يملكون قدرة إلزام من سيأتي بعدهم، وتجربة تعهّدات 2014 في قمة ويلز، والتي تم تجاهلها، دليل واضح على هشاشة مثل هذه الالتزامات.
الفرصة الضائعة
الهدف الرئيسي من مطالبة أوروبا بزيادة إنفاقها الدفاعي هو تمكين الولايات المتحدة من تقليص دورها العسكري في القارة، خاصةً مع تزايد التحديات العالمية وقلة الموارد الأمريكية. لكن بدلاً من الاكتفاء بوعود غير ملزمة من الأوروبيين، يجب على إدارة ترمب أن تستخدم أداة ضغط أكثر فاعلية، سحب القوات الأمريكية فعليًا من أوروبا.
ينبغي أن تبدأ الإدارة بسحب 20 ألف جندي الذين أُضيفوا في عهد بايدن، والتركيز على ألمانيا كهدف أول، نظرًا لبطء استجابتها رغم تعهّدات مستشارها برفع الإنفاق الدفاعي.
ترتيب الأولويات
بجانب سحب القوات، يجب أن توضح إدارة ترمب أنها تنقل مسؤولية إدارة الحرب في أوكرانيا إلى الأوروبيين. فالمشكلة الأساسية الآن ليست نقص الأسلحة، بل نقص الأفراد. ويمكن لأوروبا أن توفر لكييف ما يكفي من الذخيرة لدعم ما تبقى من القوات الأوكرانية الفاعلة.
وعندما يتعلق الأمر بالأنظمة المتقدمة مثل صواريخ “باتريوت”، ينبغي أن تعطي الإدارة الأولوية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وإذا أدركت أوروبا أنها لم تعد أولوية أميركية، فستشعر بالحاجة الملحّة إلى تسليح نفسها بسرعة أكبر.
مسؤولياتها التاريخية
تمتلك أوروبا إمكانيات تفوق روسيا بأضعاف من حيث عدد السكان، والناتج المحلي، وحجم الإنفاق العسكري. لذلك، لا مبرر لاستمرار اعتمادها على واشنطن في الدفاع عن القارة. إذا كان هدف أمريكا هو منع هيمنة قوة واحدة على أوروبا، فهذا الهدف قد تحقق بالفعل.
لقد حان الوقت لترامب أن يضع هذه الحقيقة موضع التطبيق، ويتوقّف عن الاكتفاء بالوعود، ويبدأ في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. بهذه الطريقة فقط، سيفهم الأوروبيون أن أمنهم هو مسؤوليتهم.

