منار بنت سالم العنبر
باحثة دكتوراه في علم اجتماع الجريمة – جامعة الملك سعود
ما لا يخبرك به الكثيرون، هو أن العمل التطوعي قد يغيرك أكثر مما تغيّر به غيرك.
ففي كل لحظة تظهر فيها كداعم، قد تخرج منها بدرس. وكل موقف تمرّ به في هذا الدور… يُعيد ترتيب إنسانيتك بصمت.
في يوليو من هذا العام، خضت تجربة تطوعية في مستشفى الملك سلمان، ضمن التجمع الصحي الأول بالرياض، كأخصائي اجتماعي.
لم تكن مجرد ساعات أُنجزت، ولا دورًا نُفّذ، بل كانت لحظة مواجهة يومية مع معانٍ لا تكتبها الكتب:
مع الألم، مع الصبر، مع الخوف، ومع الاحتياج الصامت الذي لا يُقال، بل يُرى ويُشعر.
دخلتُ هذه التجربة بتوقعات مهنية، وخرجت منها بتجربة إنسانية.
في كل حالة تفاعلتُ معها، كنت أتعلم.
في كل موقف يتطلب تدخلًا اجتماعيًا، كنت أكتشف أن المعرفة لا تكتمل إلا بالتجربة، وأن التخصص لا يعيش في القاعات بل في الميدان.
العمل التطوعي، حين يكون مدفوعًا بالوعي، يصبح أكثر من مجرد مشاركة وقت أو جهد.
هو تمرين مستمر على ضبط الانفعال، على الإنصات دون أحكام، وعلى منح الآخر مساحة كافية ليكون… دون أن نتدخل في تشكيله.
هو مدرسة ناعمة تدرّبك على “الوجود المهني بروح إنسانية”، وتذكرك بأن الممارسات الاجتماعية الواعية ليست دورًا ثانويًا، بل جزءًا أصيلًا من بنية المنظومة الاجتماعية.
ولأننا في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتغير فيه الأولويات، يصبح من المهم أن نعيد النظر في معنى الأثر المجتمعي:
ليس فقط أن نشارك في المبادرات، بل أن نغرس وعينا في كل ما نفعله، ونحمل مبادئنا حيث نكون، سواءً كمتطوعين، موظفين، باحثين أو مواطنين.
أؤمن أن كل أثر يبدأ من الداخل… من تلك اللحظة التي تشعر فيها بأنك أنت أيضًا تغيّرت.

