فهيم حامد الحامد
محلل استراتيجي
تمثّل استمرارية الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية، لا سيّما من قِبل دول كبرى مثل فرنسا كندا وأستراليا، المنضوية في مجموعة الـ 20 وبريطانيا (المرتقب) وهي العضو الدائم في مجلس الأمن وصاحبة حق النقض الفيتو، لحظة تحوّل محورية فارقة في البيئة الجيوسياسية، والتاريخ السياسي الحديث، وتحولاً نوعياً وتغيّراً جذرياً في المزاج الأوروبي ونظرة المجتمع والرأي العام الاوروبي الدولي تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي؛ خصوصاً أن هذه الدول كانت تميل إلى الحذر أو الحياد تارة ودعم القوى الكبرى تارة أخرى في مشاريع حق النقض الفيتو ضد القضية الفلسطينية.
إن تسارع الاعترافات لا يعكس تطورًا جذريًا في المواقف الرسمية لتلك الحكومات فحسب، بل يجسّد تغيراً عميقاً في فلسفة صناعة القرار الأوروبي الذي كان تابعاً للقوى الكبرى وداعماً للقوى الصهيونية وممارساتها القمعية في غزة، وأضحى اليوم مستقلاً في سياساته خصوصاً أن كل اعتراف جديد يرفع من زخم الدعم الحق الفلسطيني في المؤسسات الدولية، ويمهّد لوضعها الكامل كعضو فاعل في المنظومة الأممية، مما يغيّر قواعد الاشتباك الدبلوماسي لصالح الفلسطينيين.
ومن الأهمية القول إن الاعتراف يحمل الكثير من رسائل الضغط السياسية على إسرائيل لوقف الاستيطان والعودة إلى طاولة المفاوضات. كما أنه يوجه رسالة لواشنطن مفادها أن التفرد بإدارة الملف لم يعد مقبولًا، وأن لاعبين كباراً أقوياء دخلوا الملعب السياسي الدولي، وهناك توجّه دولي لاستعادة التوازن الأخلاقي والقانوني والسياسي للقضية الفلسطينية وحتمية تسويتها بالطرق السلمية وتنفيذ حل الدولتين، ما يمثّل خطوة جدية حقيقية نحو خلق مسار سياسي بإجماع دولي على إقامة دولة فلسطينية.
ويُعدّ التحوّل الاستراتيجي الأوروبي مؤشراً على إعادة تشكيل واقع القضية الفلسطينية، التي ظلت تراوح مكانها لعقود مضت بسبب الخذلان العالمي، كما تكشف الاعترافات المتتالية عن عن بروز أفق وواقع جديد في المجتمع الدولي، بعد سلسلة الاعترافات من قوى أوروبية فاعلة تحمل حق النقض وعضوة في قمة العشرين لدعم مسار الحل العادل والشامل لأمّ القضايا في العالم، وهي القضية الفلسطينية، التي طالما تم تهميشها ومحاولات دفنها قسرًا.
ومن المؤكد أن عدداً من الدول الأوروبية ماضية في ركب الاعتراف قريباً،لكسر مزيد من الجمود الذي خيّم على ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية لعقود، وفتح نوافذ جديدة أمام تفعيل حل الدولتين، التي نجحت الدبلوماسية السعودية في تفعيله مؤخراً؛ بوصفه الإطار الأمثل لتحقيق العدالة والسلام الشامل، وفقًا للقرارات الدولية وعودة الاعتبار والاحترام للقضية الفلسطينية في محافل السياسة الدولية بعد محاولات طمسها وتهميشها.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الاعترافات الأوروبية في هذا التوقيت الهام وقبيل انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر يعكس حجم الحرج الذي باتت تعيشه الحكومات الأوروبية برمتها أمام شعوبها، في ظل التجويع والموت البطيء الذي يطال المدنيين الفلسطينيين في غزة، وخاصة النساء والأطفال كون الاعتراف لا يعبّر فقط عن بُعد سياسي جيوستراتيجي، بل يحمل أيضًا رسائل قانونية وأخلاقية وإنسانية، تؤكد على أن الاحتلال الصهيوني لا يمكن أن يستمر دون مساءلة قانونية وشرعية، وأن الحقوق الشرعية الفلسطينية قد يتأخر الوصول إليها وتحقيقها ولكن حتما لا تسقط بالتقادم أو الصمت الدولي أو التخاذل العالمي أو التحيز ودعم الدولة الصهيونية الغاشمة التي من المتوقع تزيد هذه الاعترافات من عزلتها وتمنح الفلسطينيين ورقة ضغط سياسية وقانونية قوية في المحافل الأممية وتعزز روايتها المسلوبة المشروعة، وستساهم في إعادة بناء إجماع ورأي عام دولي حول حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ومما يجدر ذكره أن هناك 14 دولة في الناتو لا تعترف بفلسطين وهي: الولايات المتحدة، كرواتيا، الدنمارك، فنلندا، ألمانيا، اليونان، إيطاليا، لاتفيا، ليتوانيا، لوكسمبورج، هولندا، مقدونيا الشمالية، بلجيكا، إستونيا.
وفيما يتعلق بمجموعة العشرين الصناعية الكبرى (G20)، فإن هناك 10 دول تعترف بالدولة الفلسطينية، وهي: السعودية، الصين، الأرجنتين، البرازيل، الهند، إندونيسيا، المكسيك، روسيا، تركيا، جنوب أفريقيا.
وتبقى الولايات المتحدة وحدها من بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي التي لا تعترف بدولة فلسطين، في حين الصين وروسيا تعترفان بها.
وتعترف نحو 147 دولة من أصل 193 في الأمم المتحدة بدولة فلسطين التي تتمتع حالياً بصفة «دولة مراقبة غير عضو» في المنظمة الدولية.
ومن الأهمية التأكيد هنا أن تلويح ووعد بريطانيا بدولة فلسطينية في سبتمبر القادم يعد “تحولاً استراتيجياً كبيراً في سياستها الخارجية منذ عقود؛ خصوصاً أن قبول إسرائيل بالشروط التي طرحتها لندن غير ممكن بل ومستبعد في ظل وجود حكومة نتنياهو الصهيونية التي تعارض بشدة أي خطوات نحو حل الدولتين.. ويبقى السؤال ما الذي تغيّر بعد الاعترافات بالدولة الفلسطينية.. وما الذي سيتغير؟.. تغيّر الكثير وسيتغيّر الأكثر.. فلننتظر.

