في خطوة وُصفت بأنها الأجرأ منذ الحرب العالمية الثانية على قواعد التجارة الحرة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في 1 أغسطس 2025، تنفيذ حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على ما يقرب من جميع الواردات القادمة من 92 دولة، بنسب تتراوح بين 15% و40%، بما في ذلك على دول حليفة مثل كندا وسويسرا.
رغم أن هذه الرسوم جاءت أقل قسوة من تلك التي أُعلنت في أبريل الماضي، إلا أنها خلّفت آثارًا فورية على الأسواق، حيث تراجعت مؤشرات سوق الأسهم الأمريكية داو جونز وS&P 500 بشكل حاد، وتبعتها البورصات الأوروبية والآسيوية إلى المنطقة الحمراء.
رسوم مفاجئة
ووفق ما نشرت مجلة فورين بولسي الأمريكية فإنه من اللافت أن الرسوم الجديدة جاءت بلا نمط واضح، حيث تم تطبيقها بشكل شبه عشوائي، ما أثار استياء حتى الحلفاء التقليديين. على سبيل المثال، فُرضت رسوم بنسبة 35% على كندا، رغم اتفاقية التجارة الحرة طويلة الأمد معها، وذلك استنادًا إلى ضبط شحنة صغيرة من الفنتانيل على الحدود، وهو مبرر وُصف بأنه سياسي أكثر منه اقتصادي.
في المقابل، حصلت بعض الكتل التجارية، مثل الاتحاد الأوروبي، على اتفاقات غير مُلزمة تُقلل الرسوم إلى 15% بدلًا من 30%، مقابل وعود غامضة برفع واردات الطاقة الأميركية. لكن لا توجد ضمانات بعدم تغيير المواقف في أي لحظة.
تحديات قضائية
أحد أبرز التحديات التي تواجه هذه التعريفات الجديدة يتمثل في قاعدتها القانونية. إذ تم استخدام قانون من حقبة الرئيس الأمريكي السابق كارتر لإعلان حالة طوارئ تجارية تسمح بفرض هذه الرسوم، وهو ما اعتبرته محكمة التجارة انتهاكًا قانونيًا في مايو الماضي.
القضية حاليًا أمام محكمة الاستئناف الفيدرالية، ويتوقّع كثيرون أن تصل إلى المحكمة العليا. وحتى إن أُبطلت الرسوم قانونيًا، يبقى لدى الإدارة الأمريكية أدوات أخرى تعود إلى قوانين الثلاثينيات يمكن استخدامها لفرض قيود تجارية.
تكلفة باهظة
وفقًا لتقديرات “ميزانية لاب” في جامعة ييل، فإن هذه الرسوم تعني زيادة ضرائب قدرها 600 مليار دولار سنويًا على المستهلكين والشركات الأمريكية. ويُتوقّع أن ترتفع تكلفة المعيشة بنحو 2,400 دولار سنويًا لكل أسرة أمريكية، فضلًا عن تراجع النمو الاقتصادي بنسبة 0.5% سنويًا.
التأثير لم يقتصر على التوقعات فحسب، بل ظهرت بوادره في بيانات التوظيف؛ إذ لم يُضف الاقتصاد الأمريكي في يوليو سوى 73 ألف وظيفة، وهو أقل بكثير من التوقعات، في حين تم تعديل أرقام مايو ويونيو نحو الأسفل.
اتفاقيات ضبابية
على الرغم من محاولات إدارة ترمب تقديم الاتفاقات التي أبرمتها مؤخرًا على أنها نجاحات دبلوماسية، فإن محتواها الفعلي غير واضح. فعلى سبيل المثال، وافقت اليابان على “استثمارات” بقيمة 550 مليار دولار، بينما تقول طوكيو إنها مجرد قروض.
في حالة الاتحاد الأوروبي، تم التعهّد برفع واردات الطاقة إلى 250 مليار دولار سنويًا، بينما لم تتجاوز تلك الواردات فعليًا في 2024 حاجز 64 مليار دولار، وهو ما دفع المحللين إلى وصف الاتفاق بـ”الخيالي”.
الدول المتضررة
الدول المتضررة لم تعد تملك رفاهية الانتظار. الهند، على سبيل المثال، تواجه الآن تعريفات بنسبة 25%، وتخشى من عقوبات ثانوية بسبب استمرار استيرادها للنفط الروسي. أما تايوان، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، فقد فُرضت عليها رسوم بنسبة 20% على جميع صادراتها، ما يشكل تهديدًا لصناعة أشباه الموصلات فيها.
سويسرا أيضًا في موقف حرج، بعد فرض تعريفات بنسبة 39% تهدد قطاعها الصناعي المُعتمد على التصدير، وتأمل في استثناء منتجاتها الدوائية من التعريفات الإضافية لاحقًا، رغم غياب الوضوح الرسمي.
الحماية الاقتصادية
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن ما يحدث اليوم يُعيد صياغة النظام التجاري العالمي نحو مزيد من الحمائية. فبعد عقود من تفكيك الحواجز التجارية التي أسّست لنظام عالمي مزدهر بعد الحرب العالمية الثانية، تعود السياسات الانعزالية لتتصدر المشهد.
جوش ليبسكي، مدير مركز الجيواقتصاد في “أتلانتيك كاونسل”، علّق قائلًا: “في سبعة أشهر فقط، أعاد ترمب تشكيل النظام التجاري العالمي. نحن في عهد جديد من الحمائية، ولا طريق للعودة.”
رسوم قد تعيش بعد ترمب
حتى وإن تم إسقاط التعريفات الحالية في المحاكم، يرى خبراء أن نهج ترمب قد يظل قائمًا لفترة طويلة، حتى في حال تغيّر الإدارة. فمع تمرير الكونغرس لميزانية تعاني من عجز دائم، يُتوقع أن تظل الرسوم الجمركية أداة رئيسية لتعويض الإيرادات، بغض النظر عن الرئيس القادم.
كما أن المزاج السياسي العام في الولايات المتحدة بات أكثر تقبّلًا لفكرة الحماية الاقتصادية، ما يجعل من الصعب على أي رئيس مستقبلي تبني سياسات انفتاحية واسعة النطاق كما في السابق.

